عبد القادر الفطواكي
لم تكن الضجة والزوبعة التي رافقت مصطلح “هَرْكَاوة” حدثا معزولا، بل عرضا جانبيا لبنية أعمق في المجال العمومي المغربي، حيث يُستقبل العمل الفكري غالبا بمنطق الشبهة لا بمنطق السؤال، ويُقاس النص بما يُثيره من انفعال، لا بما يفتحه من إمكانات للتأويل.
ما جرى مع حسن الفد لا يكشف عن “أزمة تعبير ونقاش”، بقدر ما يعرّي اختلالا في آليات الفهم والتفكير والتفكيك ذاتها، قراءة تتوجس من المفهوم، وتطمئن إلى الحكم الجاهز.
من هذه الزاوية، يبدو عنوان “هَرْكَاوة” نفسه بمثابة فخّ دلالي مُحكم. لفظٌ مشحون في التداول اليومي، يشتغل في الحافة بين الوصم والوصف، بين السخرية والتشخيص. غير أن الفد، في مداخلته ضمن المعرض الدولي للكتاب بالرباط، سعى إلى تفكيك هذا الشحن، مُعيداً الكلمة إلى أفقها التحليلي: ليست قدحا، بل محاولة لتعيين نمط سلوكي متمرّد على القاعدة، متوتر مع فكرة “الصواب” كما تُنتجه الأعراف.
هنا بالضبط يتشكل سوء الفهم حين تُقرأ الكلمة داخل أفقها الأخلاقي الضيق، بينما تُكتب داخل أفق سوسيولوجي مفتوح. الفارق بين الأفقين هو ما يصنع الهوة بين مرسل الرسالة ومتلقّيها. فالمتلقي، المُثقل بحساسية لغوية محافظة، يميل إلى ردّ المفهوم إلى شحنة الإهانة، في حين أن المفكر المثقف يدفع به نحو وظيفة تفسيرية، تشتغل على التقاط تحولات في البنية السلوكية للمجتمع.
حسن الفد، في هذا السياق، لا يخرج عن مساره الفني الذي راكمه منذ سنوات. اشتغاله لم يكن يوما على “النكتة” باعتبارها غاية، بل على الكوميديا كأداة معرفة. شخصياته، وعلى رأسها “كبور”، لم تكن مجرد أدوات إضحاك، بل بنيات رمزية مكثفة، تختزل توتراً اجتماعياً قائماً: ذاتٌ موزعة بين مرجعيات متضاربة، تتأرجح بين فطرة شعبية وذكاء براغماتي، بين امتثال ظاهري وتمرد خفي.
بهذا المعنى، فإن “هَرْكَاوة” لا ينفصل عن هذا المشروع، بل يُمثّل امتداده في صيغة كتابية أكثر مباشرة. إنه نقلٌ لورشة الكوميديا من الخشبة إلى الصفحة، ومن الجسد إلى المفهوم. غير أن هذا الانتقال، بدل أن يُقرأ كتوسيع لأفق التجربة، جرى التعامل معه كـ”تجاوز غير مشروع”، وكأن الفنان مُطالب بالبقاء داخل حدوده الوظيفية، لا يحق له اقتحام مجال التحليل.
هذا التصور يكشف، في عمقه، عن نزعة إقصائية تُعيد إنتاج تراتبية قديمة بين “المعرفة الشرعية” و”المعرفة الهامشية”. كأن الفهم حكرٌ على الأكاديمي، وكأن التجربة الحياتية لا تُنتج معرفة. والحال أن تاريخ الفكر الإنساني يُكذّب هذا الادعاء كثير من التحولات الكبرى في فهم المجتمع جاءت من خارج المؤسسة، من الأدب والفن والسرد، لا من قاعات الدرس وحدها.
اللافت أيضا أن جزءا من الجدل انزلق نحو مساءلة موقع الفد الجغرافي: إقامته خارج المغرب. وكأن الانتماء يُقاس بالعنوان البريدي، لا بالانخراط الرمزي. في هذا الطرح اختزال مخلّ لفكرة الوطن، التي لا تُختزل في الحضور الفيزيائي، بل في القدرة على إنتاج معنى حول هذا الوطن. بل إن المسافة، في أحيان كثيرة، تُتيح زاوية نظر أكثر صفاء، وتكشف ما تُخفيه الألفة اليومية.
الفد نفسه أشار إلى هذه المفارقة حين تحدث عن “تطور بسرعتين”، دينامية بنيوية يعرفها البلد، يقابلها تعثر في تمثلها على مستوى الأفراد. هنا يتحول “الهركاوي” إلى علامة على هذا الاختلال: فردٌ يعيش في زمنٍ لم يستوعبه بعد، فيلجأ إلى التحايل على قواعده بدل الاندماج فيها.
غير أن النقاش العمومي، بدل أن ينخرط في تفكيك هذه الفكرة، اختار مسارا أسهل شخصنة الموضوع، وتحويله إلى مواجهة بين “مؤيد” و”رافض”. في هذا المستوى، تختفي الفكرة، ويبرز الصخب. تُختزل السوسيولوجيا في “بوست”، ويتحول النقد إلى أداء استعراضي، تحكمه خوارزميات التفاعل أكثر مما تحكمه مقتضيات الفهم.
هنا تحديدا تتجلى إحدى مفارقات اللحظة الراهنة: تضخم الكلام مقابل تراجع المعنى. وفرة الآراء لا تعني بالضرورة وفرة الفهم. بل إن فائض التعبير قد يُخفي فراغاً في التفكير. في هذا السياق، يصبح الهجوم على عمل مثل “هَرْكَاوة” نوعاً من آلية دفاع جماعي، ترفض مواجهة الأسئلة التي يطرحها، لأنها تُحرج الصورة التي نحب أن نراها عن أنفسنا.
والحال أن قوة التعبير وشجاعة التفكيك لا تكمن في كونها “صحيحة” أو “خاطئة"، بل في قدرته على إزعاج البداهات. “هَرْكَاوة” يفعل ذلك تحديداً: يُربك، يُقلق، ويدفع إلى إعادة التفكير في سلوكيات مُطبّعة. من هذا المنظور، فإن ردّ الفعل العنيف ضده ليس دليلا على ضعفه، بل على حساسية المنطقة التي لمسها.
في النهاية، قد لا يكون السؤال هنا، هل أصاب حسن الفد في توصيفه أم لا؟ بل السؤال الجوهري هو كالآتي، لماذا نُسارع إلى تحويل المفهوم إلى إهانة، بدل التعامل معه كأداة للفهم؟ ولماذا نُفضّل الدفاع عن صورة متخيلة عن الذات، على حساب مساءلتها؟
بين “الهركاوي” كشتيمة، و”الهركاوي” كمفهوم، تتحدد معركة المعنى. وبين قراءة تُدين، وقراءة تُفكك، يتحدد مستوى النقاش الذي نريده لأنفسنا. أما "كبور بناني السميري"، فقد قال ما لديه…والباقي رهين بقدرتنا على الإصغاء.
12 juin 2026 - 12:00
08 juin 2026 - 18:00
01 juin 2026 - 10:00
23 mai 2026 - 13:00
07 mai 2026 - 10:00
عندكم 2 دقايق
صوت المواطن