عبد القادر الفطواكي
في السياسة، هناك لحظات يكون فيها الصمت موقفا، وأخرى يصبح فيها الموقف نفسه نوعا من الصمت. وبين هذين الحدين تحرك نزار بركة كبير حزب الاستقلال خلال السنوات الأخيرة، محاولا الجمع بين ما لا يجتمع حلاوة السلطة وشرف المعارضة.
فمنذ أن بدأت الأسعار تتسلق جيوب المغاربة قبل أن تتسلق دكاكين وساحات أسواق المملكة، كان واضحا أن شيئا ما لا يسير في الاتجاه الصحيح. لم يكن المواطن في حاجة إلى تقارير المؤسسات الدولية ولا إلى دراسات الخبراء ليدرك أن قدرته الشرائية تتآكل يوما بعد آخر. كانت زيارة واحدة إلى السوق كافية لفهم حجم المشكلة، وكانت فاتورة أسبوعية واحدة كفيلة بإدراك أن الأزمة لم تعد ظرفية ولا عابرة.
في تلك الأثناء، كان نزار بركة يتحدث كثيرا عن القدرة الشرائية. كان يحذر من المضاربين، ويشير إلى "الشناقة" و"الفراقشية"، ويؤكد أن الحزب يقف إلى جانب المواطنين. غير أن السؤال الذي ظل معلقاً في أذهان كثيرين لم يكن يتعلق بتشخيص المرض، بل بسبب العجز عن وصف الدواء.
فالسياسة ليست مسابقة في توصيف الأزمات، وإلا لتحول كل محلل إلى رجل دولة. السياسة تُقاس بقدرة المسؤول على الانتقال من الكلام إلى القرار، ومن التشخيص إلى الفعل. وهنا بالضبط تبدأ المعضلة التي رافقت حزب الاستقلال طوال هذه الولاية الحكومية.
لقد بدا الحزب أحيانا وكأنه يعيش حالة ازدواجية سياسية نادرة؛ يعارض من داخل الحكومة، ويشارك في السلطة بلغة المعارضة، ويشتكي من نتائج سياسات هو جزء من منظومة اتخاذ القرار فيها. كان ينتقد الغلاء دون أن يغادر الأغلبية، ويحذر من المضاربة دون أن يفرض معركة سياسية حقيقية ضد المستفيدين منها، ويتحدث عن حماية القدرة الشرائية فيما كان المواطن يواجه وحيدا موجات متتالية من الارتفاعات.
ولم يكن المشهد يخلو من مفارقة لافتة. فكلما اشتد غضب الشارع من الأسعار، ارتفع منسوب الخطاب الاجتماعي داخل حزب الاستقلال. وكلما تعمقت الأزمة، ازدادت المسافة بين لغة الحزب وموقعه الفعلي داخل السلطة. وكأن المطلوب إقناع المغاربة بأن الحزب حاضر في الحكومة وغائب عن قراراتها في الوقت نفسه.
غير أن الناخب، في نهاية المطاف، لا يحاسب النوايا بل النتائج. وهو حين يدخل إلى السوق لا يسأل عن توازنات الأغلبية ولا عن الخلافات بين مكوناتها، بل ينظر إلى الثمن المدون على السلعة. لذلك كان من الطبيعي أن تتحول أسئلة القدرة الشرائية إلى أسئلة سياسية، وأن يتحول النقاش حول الأسعار إلى نقاش حول المسؤولية.
وربما كانت اللحظة الأكثر دلالة هي تلك التي طُرحت فيها مطالب الكشف الكامل عن خيوط المضاربة ومسالك توزيع الدعم والجهات المستفيدة من كل تلم الفوضى التي عرفتها الأسواق. آنذاك لم يكن المغاربة ينتظرون خطابات جديدة، بل كانوا ينتظرون مواقف جريئة بحجم الأزمة. فالسلطة لا تمنح فقط حق الحديث، بل تفرض واجب الفعل.
اليوم، ومع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، يجد نزار بركة نفسه أمام اختبار سياسي حقيقي. فالرجل يمتلك تجربة طويلة، ويحظى بصورة المسؤول الهادئ والمتزن، كما أن حزبه يحتفظ برصيد تاريخي لا يمكن إنكاره. لكن التاريخ وحده لا يصنع المستقبل، والرصيد السياسي لا يعوض الحاجة إلى الوضوح.
لقد كان بإمكان حزب الاستقلال أن يختار منذ البداية موقعا أكثر انسجاماً مع خطابه؛ إما أن يمارس كامل مسؤوليته من داخل الحكومة ويدافع عن حصيلتها، أو أن يخوض معركة سياسية صريحة دفاعا عن مواقفه الاجتماعية. أما البقاء في المنطقة الرمادية بين الموقعين، فقد منح الحزب بعض مكاسب السلطة، لكنه كلفه جزءا من صدقية المعارضة.
لهذا تبدو المرحلة المقبلة أقل ارتباطا بالبرامج والشعارات، وأكثر ارتباطاً بسؤال بسيط: هل يملك نزار بركة الجرأة على مصارحة المغاربة بما جرى؟ لأن المواطن قد يغفر الخطأ السياسي، لكنه نادرا ما يغفر محاولة الهروب من مسؤوليته.
وبين حلاوة السلطة وشرف المعارضة، يبقى التحدي الأكبر هو اختيار الموقع الذي ينسجم مع الخطاب. فالتاريخ السياسي للأحزاب لا يُكتب بعدد المقاعد التي حصلت عليها، بل بالمواقف التي امتلكت شجاعة اتخاذها حين كان الثمن مرتفعا.
12 juin 2026 - 12:00
08 juin 2026 - 18:00
01 juin 2026 - 10:00
23 mai 2026 - 13:00
07 mai 2026 - 10:00
عندكم 2 دقايق