عبد القادر الفطواكي
في كل نهاية سنة، يترقب الأطفال قدوم "بابا نويل" وهو يجر وراءه جرابا ثقيلا محملا بالألعاب والهدايا، يطرق الأبواب بابتسامة ويغادر تاركا فرحة في قلوب الأطفال مبشرا بسنة سعيدة. أما في المغرب، فيبدو أن لكل موسم انتخابي "بابا" خاصا به؛ لا ينزل من مدخنة منزل، بل يطل من منصة حكومية، حاملا معه حزمة من الـ "قرارات شعبية". وما إن تقترب صناديق الاقتراع حتى يبدأ في توزيع الهدايا السياسية، تاركا للمغاربة مهمة اكتشاف ما إذا كانت هدايا حقيقية... أم مجرد علب أنيقة تخفي داخلها حسابات انتخابية.
هذه المرة، لم تكن اللعبة قطارا ولا دمية، بل ساعة.
فبعد سنوات من الجدل، وبينما بدأت الانتخابات تلوح في الأفق، خرج "بابا أخنوش" ليعلن أن الساعة الإضافية سترحل، وأن المغاربة سيستعيدون توقيت غرينيتش. صفق البعض، وابتسم آخرون، بينما تساءل كثيرون، كيف تم التفاعل مع قرار وحد المغاربة لسنوات بهذه الطريقة ولماذا الآن بالضبط؟
في العرف السياسي، لا توجد هدايا مجانية، تماما كما لا يوزع "بابا نويل" الهدايا إلا في ليلة واحدة من السنة. أما في موسم الانتخابات، فتتحول بعض القرارات إلى علب أنيقة مغلفة بشرائط حمراء، تخفي داخلها سؤالا أكبر من الهدية نفسها: هل المقصود هو حل المشكلة حقا، أم كسب التعاطف وحصد الأصوات الإنتخابية؟
لو كان "بابا أخنوش" يريد أن يجعل عيد "الانتخابات" مناسبة لا تُنسى، لربما كان بإمكانه أن يملأ كيسه بهدايا أخرى، ينتظرها المغاربة منذ سنوات. كان يمكن مثلا أن يخرج بقرار صارم يضع سقفا لأسعار المحروقات أو يضع آلية تحمي المواطن من معادلات تقلباتها الدولية وجشع الشركات التي توزعها، أو ان يضع حدا لإرتفاع الأسعار التي أنهكت جيوب الأسر المغربية، فيشعر المواطن بأن راتبه لم يعد يتبخر قبل منتصف الشهر.
كان بإمكان عزيز أخنوش تسجيل النفط تل والأخرى، وهو يقود حربا بلا هوادة على "الفراقشية" و"الشناقة" الذين يحولون الأسواق إلى غابة، يلتهم فيها الأقوى لقمة الأضعف، بينما يكتفي المواطن بدور المتفرج على أسعار تقفز كل صباح.
وكان يمكن أن يفتح ملفات الدعم العمومي بشفافية كاملة، ويشكل لجانا مستقلة تكشف للرأي العام: من استفاد؟ وكيف جرى تدبير صرف أموال المغاربة؟ وهل وصلت فعلا إلى من يستحق وأثرت إيجابا في معيشه اليومي؟
كان يمكن أيضا أن يطارد "بعبع تضارب المصالح"، ذلك الشبح الذي لا يغادر النقاش العمومي، ويثير كل مرة أسئلة أكثر مما يقدم من أجوبة. فمحاربة الشبهات، قبل المخالفات، هي الطريق الأقصر نحو استعادة الثقة.
أما الهدية الكبرى، فليست ساعة تتقدم أو تتأخر بستين دقيقة، بل دولة يشعر فيها المواطن أن الأسعار تتراجع، والاحتكار يُكسر، والشفافية تنتصر، والمحاسبة لا تستثني أحدا. فالساعة ليست هي التي كانت تؤلم المغاربة وحدها.
الذي كان يؤلمهم أكثر هو الوقت الطويل الذي يقضونه في أسوق الخضر والفواكه والأسماك، وأمام محلات الجزارة والمواد الغذائية وأمام المدارس الخاصة والمصحات وهم يحسبون ما بقي في جيوبهم، والوقت الذي يضيع في البحث عن فرصة عمل، والوقت الذي ينتظرون فيه أن تتحول الوعود إلى أفعال.
لذلك، قد يفرح الناس بعودة الساعة القانونية، لكنهم سيصفقون أكثر إذا عادت القدرة الشرائية إلى توقيتها الطبيعي، وإذا عاد السوق إلى منطقه الطبيعي، وإذا عاد المواطن يشعر أن القانون يطبق على الجميع بالساعة نفسها.
قد يربح السياسي جولة بقرار شعبي، لكن كسب ثقة الناس يحتاج إلى ما هو أكبر من هدية انتخابية.
فالمغاربة، في النهاية، لا ينتظرون "بابا نويل"...
إنهم ينتظرون حكومة تجعل العدالة الاجتماعية هدية دائمة، لا موسما انتخابيا.
29 juin 2026 - 10:00
15 juin 2026 - 12:00
12 juin 2026 - 12:00
08 juin 2026 - 18:00
01 juin 2026 - 10:00
عندكم 2 دقايق
مواطن حمدي
صوت المواطن05 juillet 2026 - 10:00