عبد القادر الفطواكي
غيب الموت المخرج والسيناريست المغربي مصطفى الدرقاوي، أحد أبرز الأسماء التي ساهمت في تشكيل ملامح السينما المغربية، تاركا وراءه تجربة فنية امتدت لعقود، وتوزعت بين سينما المؤلف والأعمال التي اختارت لاحقًا الاقتراب من الجمهور الواسع.
ارتبط اسم الدرقاوي بشكل خاص بفيلم "أحداث بلا دلالة"، العمل الذي تحوّل مع مرور السنوات إلى واحدة من العلامات الفارقة في تاريخ السينما المغربية، ليس فقط بسبب قيمته الفنية، وإنما أيضًا بسبب المسار الاستثنائي الذي عاشه الفيلم منذ إنجازه سنة 1974.
بدأ الدرقاوي تكوينه في مجال الفنون الدرامية بالمغرب، ودرس الفلسفة، قبل أن ينتقل إلى فرنسا لمتابعة تكوينه السينمائي، ثم التحق بالمدرسة الوطنية العليا للسينما في بولندا، وهو المسار الذي ساهم في تشكيل رؤيته الإبداعية ومنحه أدوات سينمائية جعلته ينتمي إلى جيل اختار التعامل مع السينما باعتبارها وسيلة للتفكير وطرح الأسئلة، وليس مجرد صناعة للترفيه.
وخلال مسيرته، كتب الدرقاوي سيناريوهات عدد من أعماله، وتولى إخراج أفلام طويلة وقصيرة، من بينها «رماد الزريبة» و«غراميات الحاج المختار الصولدي» و«كزابلانكا باي نايت»، قبل أن ينتقل تدريجيًا بين أساليب وتوجهات سينمائية مختلفة.
غير أن «أحداث بلا دلالة» ظل العمل الأكثر إثارة للجدل في مساره. فالفيلم الذي أنجز سنة 1974 تعرض للمنع لسنوات طويلة، ولم يعرف طريقه إلى العرض العلني بشكل طبيعي، بعدما ظل حبيس السرية والمنع.
وبحسب مؤرخ السينما المغربية أحمد سيجلماسي، فقد عرض الفيلم بشكل سري خلال الدورة الأولى لمهرجان السينما الإفريقية بخريبكة سنة 1977، قبل أن يستمر منعه إلى غاية بداية الألفية الثالثة.
أما الناقد السينمائي أحمد بوغابة، فقد وصف رحلة الفيلم بأنها كانت أقرب إلى عملية إنقاذ حقيقية من الضياع، بعدما كاد أن يتلف خلال سنوات طويلة، قبل أن يتمكن المخرج وفريقه من الحفاظ عليه، ليظهر لاحقًا في عروض محدودة، من بينها عرضان بالرباط والدار البيضاء سنة 1992 ضمن "أسبوع السينما المغربية".
ولم تكن رحلة الفيلم التقنية أقل غرابة من مساره السياسي والفني، إذ صُور في البداية بتقنية 16 ملم، قبل تحويله إلى 35 ملم في برشلونة، فيما تنقل فريق العمل بنسخه بين الدار البيضاء وبغداد وروما وباريس، إلى أن عُثر لاحقًا على النسخة السالبة في إسبانيا، ليخضع الفيلم لعملية ترميم أعادت إليه جزءًا من حياته المفقودة.
وجاء الاعتراف الدولي لاحقًا، عندما احتفى مهرجان برلين السينمائي الدولي سنة 2019 بالنسخة المرممة من "أحداث بلا دلالة"، ليخرج العمل من دائرة المنع والنسيان إلى فضاء العرض العالمي، قبل أن يعود أيضًا إلى الواجهة داخل المغرب عبر مهرجانات وفعاليات سينمائية مختلفة.
ووفق قراءة أحمد سيجلماسي، ينتمي الفيلم إلى سينما المؤلف، وقد كتب الدرقاوي العمل وأخرجه وركبه وساهم في إنتاجه، بمشاركة أسماء فنية من بينها صلاح الدين بنموسى وشفيق السحيمي وحميد الزوغي وعبد اللطيف نور ومحمد الدرهم ومولاي الطاهر الأصبهاني وعمر السيد وعبد العزيز الطاهري وخالد الجامعي ومصطفى النيسابوري، إلى جانب مساهمات لصحافيين وفنانين وموسيقيين ومثقفين في إنجازه وتمويله.
وتكشف مسيرة الدرقاوي عن مرحلتين واضحتين؛ الأولى ارتبطت بسينما المؤلف والأعمال التجريبية التي حملت أسئلة فكرية وجمالية، والثانية اتجه فيها نحو سينما الجمهور، خصوصًا من خلال أعمال مثل "غراميات الحاج المختار الصولدي" سنة 2001، و"كزابلانكا باي نايت" سنة 2003، ثم "كازابلانكا داي لايت" سنة 2004.
وبهذا الانتقال، أثبت الدرقاوي أنه قادر على مخاطبة جمهورين مختلفين؛ جمهور السينما والنخبة الثقافية من جهة، والجمهور العريض من جهة أخرى، دون أن يتخلى بالكامل عن اختياراته الفنية والفكرية.
وعقب وفاته، نعى المركز السينمائي المغربي الدرقاوي باعتباره واحدًا من رواد السينما الوطنية، مشيدًا برؤيته المتفردة وحسه التحرري ومعالجته الجريئة، وما تركه من أثر في تطور الإبداع السينمائي المغربي.
كما استحضر المخرج عبد السلام الكلاعي رحيل الدرقاوي باعتباره فقدانًا لأحد أبناء جيل آمن بأن السينما يمكن أن تكون طريقة في التفكير وموقفًا من العالم، مشيرًا إلى اختياره طريق السينما الحرة والتجريبية، ورفضه القوالب الجاهزة والإجابات السهلة.
14 août 2026 - 09:00
12 août 2026 - 19:33
31 juillet 2026 - 11:30
27 juillet 2026 - 16:30
27 juillet 2026 - 11:00
مواطن حمدي