يعد الباحث والصحفي حسن بنطالب من الأصوات التي انشغلت، على نحو جاد ووازن، بقضايا الهجرة واللجوء، بما تختزنه من تشابكات إنسانية واجتماعية وحقوقية وتاريخية. فمن خلال مساره البحثي والإعلامي، حرص على مقاربة هذا الملف من زوايا متعددة، بعيدًا عن الاختزال الذي كثيرا ما يحاصر النقاش العمومي حوله، وبمنأى عن الأحكام الجاهزة التي تفقِد الظاهرة عمقها وتعقيدها. وقد انصرف في أعماله إلى مساءلة ما يتوارى خلف الأرقام والخطابات الرسمية من مصائر فردية وجماعية، ومن تجارب مفعمة بالفقد والاقتلاع والانتظار، واضعًا في صلب اهتمامه ذاكرة المهاجرين وما يعتريها من تهميش أو نسيان.
ويكتسب هذا المسار مزيدا من الدلالة من خلال كتابه "فحم كل المآسي"، الذي يعيد الاعتبار لذاكرة العمال المغاربة في مناجم الفحم بفرنسا، وينصت إلى ما طوته السنوات من معاناة صامتة وسير إنسانية قلّما وجدت سبيلها إلى السرد المنصف. وفي هذا الحوار، نقترب من رؤية حسن بنطالب لهذا المجال الشائك، ومن الخلفيات الفكرية والإنسانية التي وجّهت اهتمامه به، كما نتوقف معه عند الأسئلة الكبرى التي تطرحها الهجرة اليوم في صلتها بالإنسان والحدود والذاكرة، وبما تفرضه من رهانات أخلاقية ومعرفية تتجاوز الخبر العابر إلى مساءلة أعمق لمعنى الانتماء والمنفى والعدالة.
- كيف اشتغلتم منهجيا على هذا التحقيق؟ وهل اعتمدتم أساسا على الأرشيفات الرسمية الفرنسية أم على شهادات العمال المغاربة، وكيف وازنتم بين الرواية المؤسسية والذاكرة الشفوية؟
منهجيا، اشتغلت على هذا التحقيق من خلال مقاربة مزدوجة تجمع بين الأرشيف والذاكرة. فقد اعتمدتُ على الأرشيفات الرسمية الفرنسية، ولا سيما وثائق شركات المناجم وتقارير الدولة، لأنها تكشف البنية المؤسسية التي نظّمت استقدام العمال المغاربة. غير أن هذه الأرشيفات، على أهميتها، تعكس في الغالب وجهة نظر السلطة، وتُخفي كثيرًا من أبعاد التجربة الإنسانية.
لذلك، كان من الضروري أيضًا الاعتماد على الشهادات الشفوية للعمال المغاربة، التي شكّلت عنصرا أساسيا في إعادة بناء هذه القصة من الداخل. فهذه الشهادات لا تقدم معطيات فحسب، بل تكشف كذلك عن معاني العمل، والإقصاء، والعيش في الهامش.
أما التوازن بين المصدرين، فلم يكن مجرد جمع بين معطيات متفرقة، بل انبنى على عمل نقدي يقوم على قراءة الأرشيف ضدّ نفسه، ومقارنته بما تقوله الذاكرة الحية. فما تصرح به الوثيقة الرسمية، وما تسكت عنه، كان يُستكمل بما يكشفه صوت العمال.
- ما أبرز المعطيات أو الحقائق التي كشفها تحقيقكم ولم تكن معروفة على نطاق واسع؟
من أبرز ما كشفه هذا التحقيق أن عملية استقدام العمال المغاربة لم تكن عفوية، ولا خاضعة فقط لمنطق السوق، بل كانت عملية منظَّمة وموجَّهة بدقة. فقد جرى اختيار هؤلاء العمال وفق معايير محددة، من بينها الشباب، والقوة البدنية، والأمية أو ضعف الإلمام باللغة الفرنسية. ولم يكن ذلك محض صدفة، بل كان يستجيب، في العمق، لمنطق يهدف إلى الحد من قدرتهم على المطالبة بحقوقهم أو تحسين مواقعهم المهنية والتنقل داخل سوق الشغل.
كما أبرز التحقيق الطابع القسري وغير المتكافئ لعقود العمل، وحصر العمال المغاربة في أشغال “الباطن” التي كانت تُعدّ الأكثر خطورة وقسوة، إلى جانب وجود تمييز واضح في توزيع المهام مقارنة بالعمال الأوروبيين. وبذلك، يكشف التحقيق أن ما كان يُقدَّم في الظاهر باعتباره “هجرة عمل” لم يكن، في حقيقته، سوى نظام قريب من تدبير قوة عمل خاضعة لرقابة صارمة ومتحكم فيها بشكل دقيق.
- كيف يمكن فهم مسؤولية مختلف الأطراف: الدولة الفرنسية، الشركات المنجمية، والسلطات المغربية؟
يُظهر تحليل هذه التجربة أن المسؤولية كانت موزعة بين عدة أطراف، لكنها في الوقت نفسه كانت مسؤولية متكاملة داخل منظومة واحدة. فقد وفّرت الدولة الفرنسية الإطار القانوني والمؤسساتي الذي أتاح هذه العملية، في حين تكفلت الشركات المنجمية بتنظيم الاستقدام والتشغيل وفق حاجاتها الاقتصادية. وكان الهدف واضحًا: تأمين يد عاملة رخيصة، قوية، وقابلة للاستبدال، بما يخدم منطق الإنتاج ويضمن استمرارية الاستغلال بأقل كلفة ممكنة.
أما السلطات المغربية، فقد لعبت من جهتها دور الوسيط، إذ نظرت إلى الهجرة باعتبارها وسيلة لتخفيف الضغط الاجتماعي والحد من البطالة، كما راهنت على تحويلات العمال كمورد اقتصادي مهم. غير أن هذا الدور تم، في جانب كبير منه، على حساب حماية العمال وصون حقوقهم. وبذلك، نكون أمام نظام مصالح متقاطعة، لم يكن العامل فيه في مركز القرار، بل ظل في هامشه، موضوعًا للتدبير أكثر منه طرفًا فاعلًا في تحديد مصيره.
- هل يحظى ملفهم اليوم باعتراف تاريخي وإنصاف اجتماعي كاف؟
رغم بعض المبادرات التي ظهرت في هذا الاتجاه، لا يمكن القول إن هذا الملف حظي إلى اليوم باعتراف كامل أو بإنصاف حقيقي. صحيح أن هناك تقدما نسبيا على مستوى بعض أشكال الاعتراف الرمزي، إلى جانب عدد من الأعمال البحثية والثقافية التي أسهمت في إعادة إثارة هذا الموضوع، غير أن حضور هؤلاء العمال ما يزال ضعيفا في الذاكرة الجماعية، كما أن تجربتهم لم تُدمج بالقدر الكافي ضمن السرديات الوطنية، سواء في فرنسا أو في المغرب. والأكثر من ذلك أن كثيرًا من هؤلاء العمال عاشوا وتقاعدوا دون أن يحظوا باعتراف فعلي بما تحملوه من معاناة وتضحيات. لذلك يمكن القول إن هناك ما يشبه “دين ذاكرة” لم يُسدَّد بعد، وما تزال الحاجة قائمة إلى إنصاف تاريخي واجتماعي يليق بحجم هذه التجربة.
- إلى أي حد يمكن اعتبار تجربتهم نموذجًا لما يعيشه العمال المهاجرون اليوم؟
تجربة عمال المناجم المغاربة لا تمثل مجرد صفحة من الماضي، بل تبدو، في كثير من جوانبها، نموذجًا مبكرًا لأنماط ما تزال قائمة إلى اليوم. فثمة أوجه تشابه واضحة بين الأمس واليوم، من بينها توجيه المهاجرين نحو الأعمال الأكثر صعوبة وخطورة، واستمرار هشاشة أوضاعهم القانونية والمهنية، ومحدودية حركيتهم الاجتماعية، فضلًا عن استمرار الاعتماد الاقتصادي على تحويلاتهم المالية. وإذا كانت الأشكال قد تغيرت اليوم، فإن المنطق العام ما يزال حاضرًا، سواء من خلال التقسيم الدولي للعمل أو من خلال التوزيع غير المتكافئ للمخاطر والأعباء. وما تكشفه هذه التجربة، في العمق، هو أن الهجرة لم تكن مجرد حركة أفراد بحثًا عن العمل، بل كانت جزءًا من نظام اقتصادي وسياسي أوسع. ومن هنا تبرز أهمية دراستها اليوم، ليس فقط من أجل فهم الماضي، وإنما أيضًا من أجل فهم الحاضر واستيعاب آلياته واستمراراته.
حاوره : عبدالقادر الفطواكي
27 octobre 2025 - 10:00
22 mai 2023 - 12:20
05 décembre 2022 - 17:00
05 août 2022 - 10:00
29 juin 2021 - 17:30
ضيوف المواطن24 mars 2026 - 15:00