بقلم: عزيز بوستة
المغرب بلد ضارب في التاريخ، لكن ذاكرته الجماعية قصيرة على نحو مقلق. وكأن ما جرى في شتنبر وأكتوبر من سنة 2025 قد محي من الذاكرة، احتجاجات متزامنة في مدن عدة، وأعمال عنف خطيرة استهدفت رموز الدولة، ومؤشرات واضحة على ضيق اجتماعي عميق كان الشباب وقوده الأساسي. ما حدث آنذاك لم يكن طارئا عابرا، بل كان جرس إنذار اجتماعي وسياسي صريح. غير أن ما نراه اليوم لا يبعث على الاطمئنان.
كانت الشرارة وفاة عدد من النساء داخل مصلحة للولادة بمدينة أكادير صيف 2025. نداءات انطلقت عبر المنصات الرقمية، فتجاوب معها شباب لا يخضع لقوالب التعبئة التقليدية، ولا ينتمي إلى تنظيمات، ولا يتحدث لغة الاحتجاج الكلاسيكي. جيل حر، واع بحقوقه، متصل بالعالم، ويطالب بما يعتبره بديهيا، الحق في صحة لائقة، تعليم بمعايير محترمة، وحكامة تنفيذية تحترم ذكاء المواطنين.
في الوقت الذي كانت فيه الاستجابة الملكية تتبلور عبر مراحل متدرجة، وتُسهم بشكل حاسم في استعادة قدر من الثقة، بدا الوزراء وباقي المسؤولين وكأنه تم الزج بهم إلى واجهة المشهد الإعلامي، عبر القنوات التلفزية ومنصات التواصل الاجتماعي. كأنهم دُفعوا دفعًا إلى التصريح والتفاعل والرد، بل وحتى إلى لقاء الشباب ومواجهتهم بشكل مباشر. الصحة، التعليم، والحكامة… ثلاثية عادت بقوة إلى واجهة النقاش العمومي. والسؤال اليوم أين نحن بعد أكثر من ستة أشهر على إنذار خريف 2025؟
قطاع الصحة بدأ يستعيد توازنه تدريجيا، غير أن أعطابه تبدو بنيوية ومزمنة، مرتبطة بالفجوة بين الطلب والعرض في الخدمات الصحية، وبخصاص الموارد البشرية، وبضعف أو تفاوت جودة البنيات التحتية. بعيدا عن الصورة اللامعة لبعض المراكز الاستشفائية الجامعية أو العمليات الظرفية ذات الطابع الاستعراضي، تلك "الحملاتط التي لا تترك أثرا مستداما. كما أن الخصاص في عدد من الأدوية يظل عنصرا مقلقا. ومع ذلك، يمكن القول إن القطاع، في مجمله، يسير في اتجاه التحسن. أما وزير الصحة أمين التهراوي، وبعد فترة من الانكفاء داخل مكاتبه بالرباط، فقد بدأ يخرج تدريجيا إلى الواجهة، ويواجه الانتقادات، ويُظهر ما يشبه ملامح مقاربة إصلاحية قيد التشكل.
أما المدرسة المغربية، فتوجد اليوم في وضع معقد ومضطرب، يعكسه خطاب وزير التربية الوطنية برادة، الذي يبدو أنه لم يستوعب بعد الحجم الحقيقي للتحديات المطروحة أمامه. فالإجابات غالبا ما تأتي عامة وملتبسة أمام أسئلة دقيقة، بينما تُقدَّم أرقام ومعطيات، حتى إذا تم فهمها يصعب التحقق من واقعيتها أو قياس أثرها الميداني.
أما في ما يتعلق بالحكامة، بمعناها المرتبط بالجودة والنزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة، فإن الواقع لا يزال بعيدا عن التطلعات، بل يكاد يكون غائبا. فمنذ بداية السنة، يبدو المشهد الحكومي وكأنه سيارة مرفوعة عن الأرض، تعمل بمحرك قوي لكن دون احتكاك بالأرض. ضجيج كبير، وإعلانات متكررة، ودخان كثيف من الخطاب، لكن دون نتائج ملموسة تعيد الثقة. البرلمان يشتغل بإيقاع مرتفع، غير أن صورته لدى الرأي العام تتآكل تدريجيا، فيما تحاول الحكومة ومكوناتها إظهار التوازن لكن دون إقناع حقيقي. أما رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، فقد بات شبه غائب سياسيا منذ محطتي يناير وفبراير الماضيين، مقتصرا على مهام التمثيل الخارجي، وتوقيع الوثائق، ورئاسة مجالس الحكومة.
وفي الأثناء، تتواصل تداعيات ما يُتداول تحت اسم "جبروت"، حيث يطّلع الرأي العام على معطيات تُثير تساؤلات جدية حول أخلاقيات تدبير الشأن العام، في انتظار توضيحات أو نفي أو فتح تحقيقات أو مساءلات قضائية. غير أن الصمت يظل سيد الموقف، سواء من قبل المسؤولين المعنيين أو من جانب العدالة التي تبدو متأخرة في التفاعل، ما يساهم في تعميق مناخ الشك.
ورغم ما تحقق من منجزات، فقد تُسجل هذه حكومة أخنوش في الذاكرة السياسية المغربية باعتبارها من أكثر الحكومات التي ساهمت في توسيع الهوة بين المواطن والسياسة، وإضعاف منسوب الثقة في العمل العمومي.
التصويت، في جوهره، هو إحساس حقيقي بالمواطنة، ورغبة فعلية في المشاركة، وهذه الرغبة لا تنبع إلا من قدر من الثقة في السياسة وفي الفاعلين السياسيين. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل الشباب الذين خرجوا إلى الشارع في أكتوبر ما زالوا اليوم يشعرون بالثقة نفسها التي تدفعهم إلى التوجه نحو صناديق الاقتراع؟
لقد كان الملك وحده من تفاعل مع تلك الانتظارات، ومن قدّم إجابات ملموسة لبعض المطالب التي رُفعت آنذاك. أما الحكومة، فبعد مرحلة من المراجعة الظرفية، سرعان ما عادت إلى أساليبها المعتادة تواصل محدود، تعاطف منخفض، تكرار للخطابات الجاهزة، وتقديم أرقام براقة يصعب أن تعكس الواقع الفعلي.
واليوم، في ظل الصمت الثقيل الذي أعقب ما يُتداول من معطيات مرتبطة بـ"جبروت"، تتراجع الشكوك إلى مستوى الريبة، وتقترب حالة الإدانة الشعبية الصامتة من الترسخ. فأين نحن ذاهبون، وسط مشهد سياسي تتكلم فيه النخب كثيرا دون أن تقترح حلولا، وشباب لا يصرّح كثيرا لكنه يفكر بعمق؟
لقد أصدر ما يُشبه "الرأي العام الموازي" حكمه مسبقا، في انتظار أن تتحرك العدالة وتقول كلمتها، فتنصف من يجب إنصافه، وتدين من يثبت في حقه ذلك، وإلا فإنها قد تجد نفسها بدورها في مواجهة حكم آخر يصدره الرأي العام.
ثلاثة قتلى مدنيين، ومئات المصابين في صفوف القوات العمومية، وممتلكات عمومية تعرضت للتخريب والحرق، واعتداءات خطيرة طالت عناصر الأمن… هل نُسيت كل هذه الوقائع يا سادة المسؤولين؟ ألا تشعرون بحجم المسؤولية السياسية والأخلاقية المترتبة عنها؟
إن الأسماء والأحزاب باتت اليوم عرضة للاتهام والتجريح، ومع ذلك يخيّم الصمت. وحتى من يملكون القدرة على تبرير مواقفهم، يلتزمون الصمت، وكأنهم مشلولون أمام ما لا يُقال، أو خائفون مما لا يُفصح عنه.
العاصمة الرباط تنغلق على أسرارها، لكن عليها ألا تنسى جيل “Z”…
13 mai 2026 - 17:00
13 mai 2026 - 09:00
12 mai 2026 - 14:00
11 mai 2026 - 16:00
11 mai 2026 - 10:00
ضيوف المواطن
عندكم 2 دقايق