بقلم الدكتور : عمر لمغيبشي
نشر وكالة الأناضول للنص الحرفي لما يُسمّى بـميثاق مجلس السلام لم يكن مجرد حدث إعلامي عابر أو وثيقة تقنية بلا دلالة، بل كشف عن لحظة مفصلية في إعادة تشكيل النظام الدولي. إن النص يعكس تحولًا هادئًا لكنه عميق في كيفية إدارة السياسة العالمية، حيث لم تعد تُمارس فقط من خلال الخطابات الأخلاقية أو المؤتمرات الكبرى، بل عبر مؤسسات صغيرة، مرنة، ومتخصصة، تجمع بين القانون الدولي والبراغماتية العملية، مع إبقاء الشرعية الدولية إطارًا شكليًا يضفي مشروعية على القرارات.
ما يثير الانتباه في الميثاق هو غياب أي إشارة مباشرة لقطاع غزة، رغم أن المجلس يُسوَّق كجزء من ترتيبات المرحلة الثانية لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس. هذا الغياب ليس صدفة، بل يعكس تحولًا منهجيًا في إدارة القضايا الدولية؛ إذ لم تعد الملفات تُناقش بأسمائها أو بقيمتها الرمزية، بل تُعاد صياغتها ضمن أطر أوسع مثل بناء السلام وتعزيز الاستقراروإدارة ما بعد النزاع، لتصبح قضايا تُدار وفق وظيفتها داخل النظام الدولي الجديد، بعيدًا عن النزاعات المباشرة أو الخطاب الإيديولوجي. هذا النهج يوضح بجلاء كيف يمكن تحويل النزاعات المعقدة إلى ملفات قابلة للإدارة، مع التركيز على الاستقرار والسيطرة على النتائج بدل الانغماس في الصراعات الرمزية.
ويتضح هذا التحول بشكل أكبر عند النظر في هيكل المجلس نفسه وفي تعريفه. إذ يعرف مجلس السلام كمؤسسة دولية معنية بالمناطق المتضررة أو المهددة بالنزاعات، مع التأكيد شكليًا على مبادئ القانون الدولي والحكم الرشيد وبناء المؤسسات. غير أن ما يميزه هو نظام العضوية الخاص به؛ الدعوة محددة من الرئيس الأمريكي، والتمثيل على مستوى رؤساء الدول والحكومات، مع ربط العضوية بالتمويل والمساهمة المالية. هذا النموذج يعكس ما يمكن تسميته ب"التعددية المُدارة"، حيث تستبدل الشرعية التمثيلية بالفاعلية والقدرة على اتخاذ القرار بسرعة، بعيدا عن التعقيدات البيروقراطية للمنظمات متعددة الأطراف التقليدية. ومن هذا المنطلق، يُصبح المجلس أداة عملية لإدارة النزاعات، وليس مجرد هيئة رمزية أو أخلاقية.
وعلى مستوى القيادة، يتولى دونالد ترامب رئاسة المجلس بصفته الرئيس الافتتاحي، بصلاحيات واسعة تشمل إنشاء الكيانات التابعة أو تعديلها أو حلّها، إلى جانب حق النقض على قرارات المجلس التنفيذي. ويتألف الهيكل من مجلس للدول الأعضاء ومجلس تنفيذي يُعيَّن مباشرة من الرئيس، يتولى التنفيذ والمتابعة. هذا التركيب يعكس انتقال القيادة الأمريكية من إدارة شكلية إلى قيادة مركزة، حيث القدرة على اتخاذ القرار والسيطرة على النتائج تتفوق على الخطابات والمظاهر الشكلية، ما يجعل المجلس أكثر سرعة ومرونة في التأثير على الملفات الدولية الحساسة. ومن هنا، يصبح اختزال ما يجري في واشنطن على أنه نتيجة شخصية ترامب وحده قراءة ناقصة. السياسات الكبرى في الولايات المتحدة لا تُصاغ كرد فعل فردي، بل هي نتاج تراكم مؤسسي طويل، يتضمن مراكز البحث، ومؤسسات الأمن القومي، والدوائر الاقتصادية، حيث يعمل الرئيس التنفيذي كمرحلة تنفيذية مركّزة لتوجهات استراتيجية قائمة. وبهذه الطريقة، يمكن فهم "مجلس السلام" كآلية لإعادة ترتيب الأولويات الدولية، وربط الاستقرار بالقدرة على التنفيذ والتمويل، بدل الرهانات الرمزية أو الأخلاقية.
وبهذا المعنى يمكن فهم التحولات الأوسع التي يعكسها المجلس، المرتبطة بإعادة تفعيل مفاهيم كلاسيكية في السياسة الأمريكية، مثل التركيز على المجال الحيوي، وترشيد الالتزامات الدولية غير الضرورية، والتعامل الانتقائي مع التعددية الدولية حين تتعارض مع الهيمنة. فالسياسات الكبرى لا تبنى على الشعارات أو المؤتمرات المزدحمة، بل على ترتيبات دقيقة، ومؤسسات محدودة العدد، تعمل وفق مصالح القوى الفاعلة وقدرتها على التمويل والتحرك. وهذا التحول يوضح أن العالم الجديد لم يعد يُدار عبر الخطاب الرمزي وحده، بل عبر أدوات عملية ومرنة، حيث يصبح النفوذ مرتبطًا بالقدرة على الفعل وليس بالتمثيل الشكلي.
وفي هذا السياق، تكتسب مشاركة المغرب في المجلس بعدا استراتيجيًا مهمًا. فالانخراط في العضوية، وتوقيع وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة على المشروع، يعكس سياسة دبلوماسية واعية تعتمد على تنويع الشراكات، والحفاظ على قنوات مفتوحة مع مراكز القرار الدولية، والتفاعل مع التحولات بدل الانكفاء عنها. هذه المشاركة لا تعني تبني كل رهانات المشروع أو خلفياته السياسية، بل تعكس وعيًا بالمرحلة الدولية الراهنة، وحرصًا على التموقع داخل مسارات صناعة القرار، بدل الاكتفاء بمراقبة الأحداث من الخارج.
وتمثل المشاركة أيضًا وسيلة لفهم اتجاهات القوة الدولية والتأثير في السياسات العالمية وحماية المصالح الوطنية داخل بيئة متغيرة، وهو خيار يتوافق مع موقع المغرب الإقليمي ويتيح له تثبيت صورته كفاعل مستقر، قادر على حماية مصالحه دون الانخراط في استقطابات حادة أو رهانات صفرية. إنها دبلوماسية قائمة على التموقع الذكي داخل فضاءات صناعة القرار، لا على انتظار نتائج تُصاغ خارج دوائر التأثير، وهو ما يجعل المغرب جزءًا من التشكّل الجديد للنظام الدولي بدل كونه مراقبًا سلبيًا.
وعلى كل حال، فإن "مجلس السلام" ليس مجرد مؤسسة دولية جديدة تضاف إلى الأطر القائمة، بل هو مؤشر على مرحلة مختلفة في النظام الدولي، تُدار فيها النزاعات بلغة الاستقرار، وتُبنى الشراكات على أساس المصالح المتبادلة، بعيدًا عن الشعارات الكبرى، وبأدوات عملية ومرنة، مع تمكين القادرين على الفعل من رسم معالم العالم الجديد.
التحول جارٍ،
والعالم الجديد يُرسم بهدوء،
وبمشاركة من اختاروا أن يكونوا حاضرين في لحظة التشكل، لا خارجها.
23 janvier 2026 - 19:00
11 janvier 2026 - 19:00
07 janvier 2026 - 20:00
31 décembre 2025 - 20:00
27 novembre 2025 - 10:00
مواطن حمدي