عبد القادر الفطواكي
في مبادرة تعكس وعيا متقدما بتحولات الحقل الإعلامي، نظّمت جريدة البيان لقاء فكريا رفيع المستوى بمدينة الدار البيضاء، استضافت فيه أحد أبرز العقول النقدية في الصحافة العالمية، إغناسيو رامونيه، في لحظة وُصفت من قبل متابعين بكونها حدثا إعلاميا وثقافيا من العيار الثقيل.
اللقاء، الذي احتضنته مؤسسة مسجد الحسن الثاني أمس الأربعاء 15 أبريل الجاري، لم يكن مجرد محاضرة حول موضوع راهن، بل شكل فضاء مفتوحا لإعادة التفكير في مصير الصحافة ووظيفتها في عالم يعاد تشكيله على إيقاع الذكاء الاصطناعي. اختيار المكان لم يكن اعتباطيا، إذ أضفى البعد الرمزي للموقع عمقاً إضافياً لنقاش انشغل بأسئلة المعنى والسلطة والمعرفة.
منذ بداية مداخلته، حرص رامونيه، المدير السابق لـلوموند ديبلوماتيك، على تجاوز المقاربة التقنية الضيقة، معتبرا أن ما يعيشه العالم اليوم لا يمكن اختزاله في “ثورة رقمية”، بل هو تحوّل بنيوي يعيد صياغة علاقة الإنسان بالمعلومة، وبالحقيقة ذاتها. وفي هذا الإطار، عقد مقارنة لافتة بين الذكاء الاصطناعي والثورة التي أحدثها يوهانس غوتنبرغ في القرن الخامس عشر، مؤكدا أن التاريخ يعلّمنا أن كل تحول في وسائل الاتصال يقترن بإعادة تشكيل عميقة للمجتمعات.
الطرح الذي قدّمه رامونيه لم يكن وصفيا، بل استند إلى خلفية نظرية صلبة، استحضر فيها إسهامات مفكرين كبار في تحليل الرأي العام وآليات التأثير، من قبيل والتر ليبمان وإدوارد بيرنيز، وصولا إلى النقد الجذري الذي بلوره نعوم تشومسكي حول “صناعة القبول”. ووفق هذا المنظور، فإن التحول الحالي لا يطال فقط أدوات إنتاج الخبر، بل يمتد إلى البنيات التي تؤطر تشكيل الوعي الجماعي.
وفي قراءة لا تخلو من بعد فلسفي، توقف المتدخل عند تحولات مفهوم السلطة في العصر الرقمي، مشيراً إلى أن أنماط التحكم لم تعد قائمة فقط على الإكراه، بل أصبحت تمر عبر المشاركة الطوعية للأفراد في إنتاج معطياتهم، في انسجام مع ما نظّر له غي ديبور حول “مجتمع الفرجة”. هنا، لم يعد الإنسان مجرد متلقٍ، بل أصبح جزءا من منظومة مراقبة معقدة، يساهم فيها بشكل يومي عبر انخراطه في الفضاءات الرقمية.
كما خصّص رامونيه حيزا مهما لتحليل التحولات التي مست بنية المجال الإعلامي، حيث أشار إلى أفول المركزيات التقليدية التي كانت تمثلها القنوات التلفزية الكبرى، مقابل صعود منصات رقمية مثل يوتيوب، التي باتت تعيد توزيع النفوذ داخل سوق المعلومة. هذا التحول، بحسبه، لا يطرح فقط تحديات مهنية، بل يضع الصحافة أمام اختبار وجودي يتعلق بقدرتها على الحفاظ على دورها في إنتاج معرفة موثوقة.
ولم يغفل الضيف البعد التاريخي لمساره الشخصي وعلاقته بالمغرب، حيث استعاد بعض محطات ارتباطه بالمشهد الثقافي الوطني، خاصة من خلال تفاعله مع أسماء بارزة مثل نور الدين الصايل، في سياق ساهم في ترسيخ تقاليد نقدية داخل الحقل السينمائي والإعلامي. هذا الامتداد المغربي في تجربة رامونيه أضفى على اللقاء طابعاً خاصاً، جعل من حضوره أكثر من مجرد زيارة فكرية عابرة.
اللقاء، الذي شهد حضورا وازنا من إعلاميين وباحثين وطلبة، انتهى دون تقديم أجوبة جاهزة، لكنه نجح في إعادة طرح السؤال الجوهري الذي يؤرق المهنة اليوم: كيف يمكن للصحافة أن تحافظ على معناها في زمن تتداخل فيه الحقيقة مع الخوارزمية؟.
في محصلة هذا النقاش، بدا واضحا أن الرهان لم يعد تقنيا فقط، بل حضاريا بامتياز، يتعلق بمستقبل المعرفة ذاتها، وبقدرة الإنسان على الاحتفاظ بموقعه داخل عالم لم يعد ينتج المعنى بالطرق التي ألفها.
وفي هذا السياق، تحسب لجريدة جريدة البيان مبادرتها النوعية التي تكرّس وفاءها لخطّها التحريري القائم على الانفتاح على النقاش الأكاديمي الرصين، وربط الصحافة بأسئلتها الفكرية العميقة. فاختيار استضافة قامة فكرية من حجم إغناسيو رامونيه لا يندرج فقط في إطار التغطية الإعلامية، بل يعكس توجهاً واعياً نحو إعادة الاعتبار لدور الإعلام كفضاء للنقاش العمومي المنتج للمعرفة، وكجسر بين الجامعة والمجتمع، في لحظة تتزايد فيها الحاجة إلى تفكير نقدي يواكب التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم.
16 avril 2026 - 13:22
16 avril 2026 - 09:00
15 avril 2026 - 11:00
14 avril 2026 - 15:00
13 avril 2026 - 14:00
ضيوف المواطن