عبد القادر الفطواكي
في سياق انفتاحها المتواصل على أسئلة التاريخ الحضري وتجديد أدوات قراءته، احتضنت كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك التابعة لـجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، صباح الأربعاء 15 أبريل 2026، محاضرة علمية نوعية بعنوان: "ثورة حضرية في مغرب أواخر العصر الوسيط: من الحدث إلى البنية".
اللقاء العلمي نظّمه كل من مختبر المجال والتاريخ والإنسانيات الرقمية، وشعبة التاريخ والتراث والمجال، وماستر المغرب والهجرة الدولية: تاريخ وتنمية، في تكامل مؤسساتي يعكس اهتمام الكلية بإعادة طرح قضايا التاريخ المغربي من زوايا تحليلية بنيوية تتجاوز السرد الحدثي التقليدي.

المحاضرة ألقاها الدكتور "محمد ياسر الهلالي"، أستاذ التعليم العالي بـكلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق، فيما تولّى التنسيق الدكتور "أحمد الصديقي"، منسق ماستر "المغرب والهجرة الدولية: تاريخ وتنمية"، وذلك بحضور طلبة وباحثين مهتمين بمشارب التاريخ والحضارة وعدد من الشعب الأخرى.

استُهلّت المحاضرة العلمية بكلمة ترحيبية ألقاها الدكتور عمر لمغيبشي، أستاذ التعليم العالي، نائب عميدة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك التابعة لـجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، المكلّف بالشؤون البيداغوجية والشأن الطلابي. وقد رحّب لمغيبشي بالضيف مشيدا بمساره العلمي وإسهاماته البحثية في حقل التاريخ الحضري، معتبرا أن موضوع المحاضرة يكتسي أهمية خاصة لكونه يلامس إحدى القضايا المركزية في قراءة تاريخ المغرب، من خلال الانتقال من منطق “الحدث” إلى تفكيك “البنية” الحضرية.

من جانبه، أكد الأستاذ خالد أوعسو، أستاذ التاريخ الراهن بـجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء والباحث في قضايا الذاكرة والعنف السياسي وتحولات الدولة المغربية، في كلمته باسم الفريق البيداغوجي، ترحيبه بالضيف وبقيمة الموضوع المطروح للنقاش. واعتبر أن أهمية هذه المحاضرة لا تكمن فقط في راهنية سؤال التحولات الحضرية، بل أيضا في المنهج المعتمد الذي ينتقل من قراءة “الحدث” إلى تفكيك “البنية”، بما يسمح بتأويل المعطيات التاريخية خارج منطق السرد التقليدي، ويفتح أفقا منهجيا أعمق لفهم دينامية المدن المغربية في سياقاتها السياسية والاجتماعية والثقافية.

وفي السياق ذاته، سار الدكتور "محمد العزري"، رئيس شعبة التاريخ والتراث والمجال، على المنحى التحليلي نفسه، إذ نبّه إلى محدودية الدراسات التي تناولت أواخر العصر الوسيط باعتباره حلقة مفصلية في مسار التحولات الحضرية بالمغرب. وأشار في كلمة له إلى أن هذا الحقل المعرفي ظل أقل استثمارا مقارنة بمحطات تاريخية أخرى، رغم كونه يمثل مرحلة تطور أساسية لفهم دينامية المدن. واستحضر في هذا الإطار إسهامات كل من فرناند بروديل وجاك لوغوف وأخرون في تجديد مقاربات التاريخ من خلال التركيز على البنيات العميقة بدل الاقتصار على تتبع الأحداث. واعتبر أن الإحاطة الدقيقة بالتحقيب التاريخي لهذا الموضوع تمثل سبقًا على مستوى البحث العلمي والأكاديمي.

وفي كلمته التوجيهية، قدم الدكتور أحمد الصديقي، منسق ماستر "المغرب والهجرة الدولية: تاريخ وتنمية"، قراءة تأطيرية شاملة للمحاضرة، مبرزا قيمة الموضوع من حيث الإشكال والمنهج. وأكد أن الأستاذ ياسر الهلالي يُعدّ من أبرز المتخصصين في التاريخ الوسيط، ومن الأسماء الأكاديمية التي راكمت رصيدا بحثيًا مهمًا في هذا الحقل، بما يجعله أحد الوجوه البارزة في تطوير الدراسات التاريخية بالمغرب. واعتبر الصديقي أن المحاضر يمثل حلقة وصل بين أجيال البحث التاريخي، من خلال موقعه في "الجيل الثالث والرابع" من الباحثين في هذا التخصص، بالنظر إلى غزارة إنتاجه الأكاديمي وتنوع إسهاماته العلمية.

وأضاف أن قيمة المحاضرة لا تقتصر على عرض المعطيات التاريخية، بل تتجاوز ذلك إلى تقديم تصور منهجي متكامل، يبدأ من تأطير الموضوع، وطرح الإشكاليات المركزية، ووضعها في سياقها التاريخي العام، مع الاشتغال الدقيق على المفاهيم والمصطلحات، وصولًا إلى استثمار الرصيد الأكاديمي للمحاضر في إعادة قراءة التحولات الحضرية في أواخر العصر الوسيط قراءةً بنيوية تتجاوز السرد التقليدي للأحداث.
المحاضرة ألقاها الدكتور محمد ياسر الهلالي، أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق، في إطار رؤية علمية تنفتح على تجديد أدوات قراءة التاريخ الوسيط وإعادة مساءلة مفاهيمه المؤسسة. وقد بدا من خلال عرضه أنه يشتغل على مشروع معرفي يتجاوز الوصف الحدثي التقليدي، نحو بناء مقاربة تركيبية تُعيد الاعتبار للبنيات العميقة التي تحكمت في تشكل الظواهر التاريخية، خاصة في سياق المغرب أواخر العصر الوسيط، حيث تتداخل التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية ضمن دينامية معقدة لا يمكن اختزالها في الوقائع المعزولة.

وانطلق الأستاذ المحاضر من مدخلين منهجيين متكاملين لمقاربة موضوع محاضرته ، ولهما المدخل النظري المرتبط بالتاريخ المجهري وعودة الحدث، باعتباره توجهاً حديثاً يسعى إلى إعادة إدماج التفاصيل الدقيقة والوقائع الصغرى في صلب التحليل التاريخي، بما يسمح بفهم أعمق لبنية التحولات الكبرى. أما المدخل الثاني فتمثل في تفكيك العنوان نفسه، حيث توقف عند مفهومي “الثورة” و“العصر الوسيط”، محللاً أبعادهما المفاهيمية وإشكالات إسقاط المصطلحات الحديثة على سياقات تاريخية مغايرة، قبل أن ينتقل إلى مساءلة المادة المصدرية التي تشكل أساس الكتابة التاريخية، متسائلاً عن طبيعتها وتعدد أنماطها بين مصادر عربية مسلمة غير مغربية، ومصادر مغربية مسلمة، وأخرى مغربية كُتبت باللاتينية ثم أعيدت ترجمتها إلى العربية، إضافة إلى المواد المساعدة التي تساهم في إعادة بناء الحدث ضمن رؤية تراكمية نقدية.
وفي هذا الإطار، استحضر الدكتور الهلالي نماذج من المدونات التاريخية الكلاسيكية، من بينها “الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم” لعبد الباسط خليل، و“تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية” لمحمد بن إبراهيم بن لؤلؤ الزركشي، و“الحافل الوسيط والعيلم الزاخر المحيط” لمصطفى الجنابي، بوصفها نصوصاً تعكس تعدد زوايا النظر إلى الوقائع وتباين أنساق الكتابة التاريخية. وقد قاد هذا التأطير المنهجي إلى تحليل دقيق لإحدى اللحظات المفصلية في التاريخ المغربي، وهي ثورة الفاسيين سنة 1465م (869هـ)، التي أطاحت بآخر سلاطين الدولة المرينية عبد الحق الثاني ووزيره هارون بن بطاش، في سياق أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية خانقة. وقد قدّمها المحاضر باعتبارها لحظة تحول بنيوي أنهت فعلياً المرحلة المرينية ومهّدت لبروز الوطاسيين، مبرزاً أن فهمها لا يكتمل إلا عبر ربط الحدث بسياقه العميق، وبالشروط البنيوية التي أنتجته، بعيداً عن القراءة السردية المبسطة للتاريخ.
16 avril 2026 - 09:00
15 avril 2026 - 11:00
14 avril 2026 - 15:00
13 avril 2026 - 14:00
11 avril 2026 - 19:00
ضيوف المواطن