عبد القادر الفطواكي
مع بداية الموسم الجامعي 2025/2026، اختارت الجامعات المغربية أن تدشّن مرحلة جديدة في علاقة الطلبة الموظفين بمؤسسات التعليم العالي. قرار بدا في ظاهره تنظيميًّا محضًا، لكنه في عمقه يعكس تحوّلًا جذريًّا في فلسفة التعليم الجامعي العمومي؛ حيث تم حصر ولوج الموظفين والأجراء إلى مسالك الماستر في صيغة “التوقيت الميسّر” المؤدّى عنه، مع إقصائهم من الماسترات العادية المجانية التي كانت متاحة لهم لعقود، بشرط الالتزام بالحضور الكامل.
القرار، الذي تبنّته جامعات عدّة من طنجة إلى أكادير، جاء مرفوقًا بتبرير رسمي يركّز على منح الطلبة المتفرغين فرصًا أوسع لولوج أسلاك الماستر، وتنظيم فضاءات تكوين مرنة تلائم ظروف الموظفين. لكن خلف هذه اللغة البيروقراطية يختبئ واقع أكثر تعقيدًا، يندرج ضمن "تسليع" تدريجي للتعليم العالي العمومي، وتحويله إلى خدمة نخبوية مقنّنة بثمن قد يصل إلى خمسين ألف درهم في بعض المسالك.
ولنكن واقعيين في تحليل هذا القرار: كيف لموظف يتقاضى 3500 درهم شهريًّا، أو عامل بسيط في القطاع الخاص، أن يدفع رسوم ماستر تفوق راتبه السنوي؟ هذه ليست مجرد مبالغ رمزية، بل أرقام ثقيلة تُفرغ الحق الدستوري في التعليم من مضمونه، وتحوّل حلم متابعة الدراسة العليا إلى امتياز يقتصر على الأقلية الميسورة؛ بأسلوب آخر: "الشهادات لمن يدفع أكثر".
والأخطر أن القرار الجديد لا يراعي الحالات الخاصة، مثل الموظفين الذين تسمح لهم ظروف عملهم بحضور الحصص العادية في أوقاتها، أو أولئك الذين يلجون سوق الشغل في مهن بسيطة لتأمين مصاريف الدراسة. هؤلاء جميعًا أصبحوا في نظر الجامعات “أجراء”، وفُرضت عليهم الرسوم نفسها دون أي تمييز، وكأن الدخل المحدود يعادل القدرة المالية للمديرين ورؤساء الأقسام.
وزارة التعليم العالي سارعت إلى تبرير هذا التوجه بالأرقام: 70 إلى 80 في المائة من المسجلين في الماستر والدكتوراه موظفون أو عاملون في القطاع الخاص. وعليه – حسب منطق الوزارة – كان لا بد من “تنظيم” العملية بتوجيه هؤلاء نحو التكوين الميسّر، لإفساح المجال أمام الطلبة المتفرغين.
لكن هذا المنطق يعكس قراءة قاصرة لدور الجامعة. فالوجود المكثف للموظفين في مقاعد الدراسة ليس عبثًا، بل يعكس حاجة حقيقية للتكوين والتطوير وإعادة التأهيل في تخصصات دقيقة تحتاجها الدولة نفسها. إن تحويل هذا الاندفاع نحو التعلم المستمر إلى مجرد رقم في إحصائيات الاكتظاظ، يجرد الجامعة من بعدها الاجتماعي ويحوّلها إلى مؤسسة نفعية تخدم من يدفع أكثر.
لقد كانت الجامعة المغربية، لعقود، فضاءً مفتوحًا أمام الجميع: الطالب المتفرغ، الموظف الطموح، والعامل البسيط الباحث عن فرصة للارتقاء الاجتماعي. أما اليوم، فالوضع يتجه نحو تكريس طبقية أكاديمية لا تخطئها العين؛ حيث يصبح الولوج إلى المعرفة مرهونًا بالحالة المادية، ويغدو الطموح الأكاديمي للأجراء محدودًا بجدار باهظ الثمن.
النقابات الجامعية، وفي مقدمتها تيار الأساتذة الباحثين التقدميين، لم تتأخر في دق ناقوس الخطر، بإدانة المصادقة على مشروع القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، واصفة إياه بـ “الخطوة المتقدمة في مسار خوصصة وتسليع المعرفة”. كما وصفت ما يحدث بأنه “خطوة خطيرة نحو تكريس منطق المتاجرة في التعليم العالي وضرب مبدأ المجانية المنصوص عليه دستورياً”.
لا أحد ينكر أن صيغة “التوقيت الميسّر” تمثل في ظاهرها فرصة للموظفين الذين لا تسمح لهم التزاماتهم المهنية بمتابعة الدروس في أوقات النهار. لكن هذه الفرصة تتحول إلى عبء حين تُرفق برسوم تثقل كاهل الأجراء، خاصة مع تكاليف إضافية للنقل والكتب والمراجع، في ظل غياب آلية عادلة لتحديد قيمة الرسوم وفق الدخل الفردي. فليس من المنطقي أن يؤدي الأجير البسيط المبلغ نفسه الذي يدفعه مدير مركزي أو إطار سامٍ.
وإذا كان الهدف من هذا التوجه هو تحسين جودة التكوين وإعادة هيكلة برامج الماستر والدكتوراه، فإن السؤال الجوهري الذي يطرحه الأكاديميون هو: لماذا يتم تحميل كلفة الإصلاح للفئات الهشة دون غيرها؟ ألم يكن من الأجدر وضع نظام منصف يعتمد على سلم تدريجي للرسوم أو منح دعم خاص للفئات محدودة الدخل؟
الجامعة ليست مجرد قاعات درس ولا امتحانات، بل هي فضاء لإنتاج المعرفة وتلاقح الخبرات وصناعة النخب التي تقود التحولات في المجتمع. وعندما تتحول إلى مؤسسة تضع القدرة المادية شرطًا أساسيًّا للولوج إليها، فإنها تفقد دورها التنويري وتصبح أداة لإعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية.
فإذا كان الإصلاح الجامعي ضروريًّا، فالمطلوب هو إصلاح عادل ومتدرج يوازن بين تحسين جودة التكوين والحفاظ على حق الجميع في متابعة دراستهم. فالتجارب الدولية الناجحة في هذا المجال أثبتت أن التعليم العالي لا يمكن أن يكون رهين القدرة المالية، بل هو استثمار وطني في الكفاءات البشرية.
إن ما يجري اليوم داخل الجامعة المغربية ليس مجرد “تنظيم إداري” ولا “إصلاح بيداغوجي”، بل هو تحوّل جذري في فلسفة التعليم العمومي، يضع المال بوابة للمعرفة ويحوّل قاعات الدرس إلى مساحات انتقائية لا يلجها إلا القادرون على الدفع.
وإذا استمر هذا المسار، فإن الجامعة ستفقد وظيفتها التاريخية كرافعة للترقي الاجتماعي ومحرك لتكافؤ الفرص، لتتحول إلى مؤسسة تنتج مزيدًا من الفوارق وتكرس نخبوية مقيتة.
الإصلاح الحقيقي ليس في فرض رسوم تعجيزية، بل في توسيع الولوج وتحسين الجودة وضمان عدالة التعليم عبر سياسات دعم مبتكرة تراعي الفوارق الاجتماعية. وإلا فإننا أمام مشروع “إصلاح” يعيد عقارب الجامعة إلى الوراء، ويحوّل حلم الماستر والدكتوراه إلى امتياز طبقي محض، تاركًا سؤالًا مريرًا: هل أصبح الحق في التعلم في المغرب سلعة معروضة للبيع في سوق لا يرحم؟
30 août 2025 - 14:00
29 août 2025 - 19:00
29 août 2025 - 12:00
29 août 2025 - 11:00
27 août 2025 - 18:00
22 août 2025 - 15:00