عبد القادر الفطواكي
يبدو أن فوزي لقجع اختار، منذ دخوله الرسمي إلى حزب الأصالة والمعاصرة، أن يخوض معركة سياسية عنوانها الدفاع عن النفس قبل الدفاع عن الحصيلة، وعن موقعه في المشهد قبل إقناع الناخبين ببرنامج "البام" للاستحقاقات المقبلة. ففي خرجته الأخيرة خلال لقاء جهوي للحزب لبركان، عاد إلى التأكيد على أنه مسؤول عن الميزانية، لا عن قرارات القطاعات الأخرى، وأن توفير الاعتمادات المالية لا يعني تحمل مسؤولية التنفيذ. خطاب يبدو منطقيا من الزاوية الإدارية، لكنه يصبح أكثر تعقيدا عندما يوضع في سياقه السياسي.
لقجع لم يدخل الحكومة أمس، فالرجل كان عضوا فيها منذ 2021، وتولى حقيبة الميزانية طوال الولاية الحكومية التي امتدت إلى 2026. والأهم أن الحكومة التي اشتغل فيها لم تكن حكومة بلا هوية سياسية؛ فقد تشكلت من التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، وهي الأحزاب التي تحملت، بدرجات متفاوتة، مسؤولية تدبير السياسات العمومية وصناعة القرار الحكومي.
صحيح أن لقجع لم يكن عضوا في "البام" خلال الولاية السابقة، وهذه حقيقة لا ينبغي تجاهلها. لكنه في المقابل لم يكن خارج الحكومة، ولا بعيدا عن دوائر القرار. كان في واحدة من أكثر المواقع حساسية، وكان مسؤولا عن الميزانية، أي عن واحد من أهم مفاتيح تنفيذ السياسات العمومية. ولذلك فإن انتقاله اليوم إلى العمل الحزبي لا يمكن أن يمحو السنوات التي قضاها في موقع حكومي مركزي، كما لا يمكن أن يعيد تقديمه باعتباره وافداً جديداً على المشهد السياسي.
المسألة هنا ليست تحميل وزير الميزانية مسؤولية كل ما وقع داخل الحكومة، فهذا سيكون تبسيطا غير منصف. لا أحد يمكنه أن ينسب إلى وزير الميزانية، بشكل مباشر، كل قرار اتخذته وزارة أخرى أو كل مشروع تأخر تنفيذه. لكن هناك فرقا بين المسؤولية الإدارية المباشرة والمسؤولية السياسية. وهذه الأخيرة لا تختزل في حدود الاختصاص التقني لكل قطاع.
فالميزانية ليست مجرد دفتر حسابات حكومي، ولا مجرد اعتمادات ترصد ثم تنتهي مسؤولية من أعدها عند لحظة التصويت عليها. الميزانية هي التعبير المالي عن الاختيارات الحكومية، والأداة التي تمنح البرامج العمومية إمكانية التنفيذ. وعندما ترصد الاعتمادات ولا تتحول إلى مشاريع أو نتائج في آجالها، فإن السؤال لم يعود تقنيا فقط، بل يصبح سياسيا ويتلخص في بضعة أسئلة، ماذا فعلت الحكومة لمعالجة هذا الخلل؟ ومن تابع؟ ومن نسق؟ ومن تحمل مسؤولية التأخير؟
لهذا تبدو محاولة توزيع المسؤولية إلى جزر منفصلة غير كافية لإقناع الرأي العام. لا يمكن أن تكون الحكومة منظومة واحدة عندما يتعلق الأمر بتقديم الإنجازات، ثم تتحول إلى مجموعة قطاعات مستقلة عندما يحين وقت المساءلة. كما لا يمكن أن يكون الحزب شريكا في الحكومة عندما تكون الحصيلة إيجابية، ثم يتصرف سياسيا وكأنه كان مجرد متفرج عندما تصبح بعض نتائج تلك الحصيلة موضع انتقاد.
وفي ملف الأغنام، مثلا، لا يتعلق النقاش بمن أمسك بمقود الشاحنة أو من وقع وثيقة الاستيراد. السؤال السياسي أوسع من ذلك بكثير. يتعلق بالقرار الحكومي، وبالاختيارات التي اتخذت، وبآليات التمويل، وبالتنسيق بين القطاعات، وبالنتائج التي ترتبت عنها. القول إن التنفيذ من اختصاص قطاع آخر صحيح من الناحية الإدارية، لكنه لا يلغي المسؤولية السياسية للحكومة ككل عن قراراتها ونتائجها.
والأمر نفسه ينطبق على المشاريع المتعثرة. عندما يقول لقجع إن توفير الاعتمادات لا يعني بالضرورة تنفيذ المشاريع، فهو يقدم توصيفا صحيحا لمشكلة حقيقية في تدبير المال العام. لكن هذه العبارة تفتح سؤالا أكبر بدلا من أن تغلقه، إذا كانت الاعتمادات موجودة والمشاريع لا تنفذ، فما الذي قامت به الحكومة، خلال سنوات ولايتها، لتجاوز هذا التعثر؟ وهل يكفي أن نقول إن المال متوفر وإن التنفيذ من اختصاص قطاع آخر؟
هنا تحديدا تبدأ المسؤولية السياسية، فالخلل في تنفيذ المشاريع العمومية، عندما يستمر ويتكرر، لا يمكن اختزاله دائما في تقصير قطاعي معزول. قد يكون وراءه ضعف في التنسيق، أو تعقيدات إدارية، أو اختلال في الحكامة، أو سوء في ترتيب الأولويات. وفي جميع الحالات، فإن الحكومة تتحمل مسؤولية سياسية عن معالجة هذه الاختلالات، حتى وإن لم يكن كل وزير مسؤولا إدارياً عن كل تفصيل.
لقجع، بحكم موقعه السابق، كان جزء من هذه المنظومة. كان يدافع عن قوانين المالية أمام البرلمان، ويشرح اختيارات الحكومة المالية، ويقدم الأرقام التي تستند إليها السياسات العمومية. لذلك سيكون من الظلم تحميله وحده مسؤولية كل مشروع متعثر أو كل قرار حكومي مثير للجدل. لكن سيكون من المبالغة أيضا إخراجه بالكامل من دائرة المسؤولية السياسية عن مرحلة كان أحد أبرز وجوهها التنفيذية.
المفارقة أن لقجع يريد اليوم دخول السياسة من بوابة "البام"، لكنه يدخلها محملا بخمس سنوات من العمل الحكومي. و"البام" نفسه ليس حزباً وافدا على تجربة الحكومة السابقة، بل كان أحد مكوناتها الأساسية إلى جانب التجمع الوطني للأحرار والاستقلال. لذلك فإن الحديث عن المستقبل لا يمكن أن يبدأ بإلغاء الماضي، كما أن بناء خطاب انتخابي جديد لا يمكن أن يقوم على إعادة صياغة الذاكرة السياسية وفق الحاجة.
الانتخابات، في نهاية المطاف، ليست امتحانا في توزيع الاختصاصات بين الوزراء، ولا جلسة لتحديد من وقع على أي قرار. إنها لحظة سياسية للحكم على حصيلة مرحلة كاملة. الناخب لا يعيش داخل الهيكلة الحكومية، ولا يتعامل مع السياسات العمومية باعتبارها ملفات منفصلة بين الوزارات؛ هو يرى الأسعار، والخدمات، والمشاريع، وفرص الشغل، والاستثمارات، وما تحقق وما لم يتحقق. ومن الطبيعي أن يسأل عن المسؤولية السياسية وراء هذه النتائج.
لهذا، فإن المطلوب من لقجع، كما من "البام" وباقي الأحزاب التي شاركت في الحكومة السابقة، ليس الدفاع عن النفس بقدر ما هو تقديم قراءة صريحة للحصيلة ما الذي تحقق؟ ما الذي تعثر؟ لماذا تعثر؟ ماذا كلف المال العام؟ وما الذي كان يمكن فعله بشكل أفضل؟
فالانتقال من موقع المسؤول الحكومي إلى موقع السياسي الحزبي يغير قواعد اللعبة. ما كان يناقش سابقا باعتباره قرارا تقنيا أو ماليا يصبح اليوم جزءا من السجل السياسي لصاحبه. ومن يختار الانتماء الحزبي ويطلب من الناخبين الثقة في مشروع سياسي، عليه أن يقبل في المقابل بأن تُفتح أمامه ملفات الماضي، لا بقصد تصفية الحسابات، وإنما باعتبارها جزءاً من حق الناخب في التقييم.
قد يكون لقجع محقا حين يقول إنه لا يتحمل مسؤولية قرارات القطاعات الأخرى. لكن السياسة لا تقاس فقط بمن اتخذ القرار، بل أيضا بمن كان جزء من الفريق الذي أنتج القرار، ومن دافع عن الاختيارات العامة للحكومة، ومن استفاد من نجاحاتها أو واجه انتقاداتها. وهنا تصبح الحدود بين المسؤولية التقنية والمسؤولية السياسية أكثر دقة مما يوحي به الخطاب الدفاعي.
لقد اختار فوزي لقجع أن يدخل السياسة من باب واسع، وهذا حقه الطبيعي. لكن الباب الواسع نفسه يفتح على مساحة أوسع من المساءلة. فالناخب لن يسأل فقط: من كان مسؤولاً عن هذه الوزارة أو تلك؟ بل سيسأل السؤال الأبسط والأكثر حسماً: من كان في الحكومة، وماذا فعل، وماذا تحقق؟
وفي السياسة، لا يمكن بناء المستقبل من دون المرور عبر الذاكرة. ومن كان جزء من الحكومة لا يستطيع التعامل مع حصيلتها وكأنها سيرة حكومة أخرى. أما محاولة تحويل كل نقد إلى استهداف، وكل مساءلة إلى "بوليميك"، وكل مسؤولية سياسية إلى اختصاص قطاعي، فقد تنجح في الدفاع عن موقف إداري، لكنها لن تكون كافية لخوض معركة انتخابية يكون فيها الحكم النهائي للناخب.
12 octobre 2026 - 11:00
05 octobre 2026 - 11:00
29 septembre 2026 - 17:50
21 septembre 2026 - 12:30
14 septembre 2026 - 10:00
ضيوف المواطن
عندكم 2 دقايق
صوت المواطن16 octobre 2026 - 16:12