ليست المشكلة دائما في أن الدولة لا تتحرك، ولا في أن الإدارة لا تشتغل، ولا في أن الأجهزة لا تكون حاضرة. المشكلة التي تستحق نقاشا أعمق في المغرب اليوم هي شيء آخر، من سيتقدم إلى الواجهة السياسية عندما تصبح البلاد أمام امتحان حقيقي؟ هذا السؤال عاد بقوة مع أزمة سبتة الأخيرة.
ففي الضفة الأخرى من الحدود، لم تتعامل الحكومة الإسبانية مع التطورات باعتبارها مجرد ملف أمني محلي أو حادث حدودي عابر. رئيس الحكومة بيدرو سانشيز استدعى المجلس الوطني للأمن إلى اجتماع استثنائي، بحضور عدد من الوزراء والمسؤولين ورئيس حكومة سبتة، ورفعت مدريد مستوى التعامل مع الأزمة إلى مستوى الأمن القومي. وقد يكون من حق المغرب أن يختلف جذريا مع مدريد في توصيفها للأزمة أو في مقاربتها لسبتة، لكن ذلك لا يلغي حقيقة سياسية واضحة مفادها أن الحكومة الإسبانية فهمت أن الأزمة تحتاج إلى حضور سياسي بحجمها وليس العكس.
وهنا تحديدا يصبح السؤال المغربي مشروعا أين كانت الحكومة؟ ليس السؤال عن الأجهزة الأمنية التي قامت بواجبها وزيادة، ولا عن السلطات الترابية التي اشتغلت في الميدان، ولا عن الدولة بمؤسساتها المختلفة. السؤال عن الحكومة بوصفها قيادة سياسية وتنفيذية أين كان رئيسها؟ ما هو خطابها؟ ما هي رسالتها للرأي العام؟ وما هو الإطار السياسي الذي وضعت فيه أزمة من هذا النوع؟ هذا السؤال لا يرتبط بسبتة وحدها فالأمثلة كثيرة.
منذ زلزال الحوز، ظهر التفاوت بين حضور الدولة وحضور الحكومة في لحظات الأزمات. الدولة كانت هناك الجيش، الأمن، الوقاية المدنية القوات المساعدة، السلطات الترابية، والمؤسسات التي تولت عمليات الإنقاذ وإعادة الإعمار. والحكومة نفسها واصلت لاحقا تتبع برنامج إعادة البناء والتأهيل وترأس رئيسها اجتماعات اللجنة الوزارية المكلفة بهذا الملف.
لكن النقاش السياسي لم يكن حول ما إذا كانت الدولة قد اشتغلت أم لا. كان حول الصورة التي قدمتها الحكومة عن نفسها في قلب المأساة. فالحكومة لا تُقاس فقط بما تنجزه من برامج، وإنما أيضا بقدرتها على أن تكون حاضرة سياسيا في اللحظة التي يحتاج فيها المواطن إلى أن يرى من يقوده، ومن يشرح له، ومن يتحمل أمامه المسؤولية إجمالا لحكومة قوية تدبر الأزمات بشكل حكيم ومسؤول.
السؤال كذلك تكرر مع فيضانات الشمال، وفي مقدمتها ما عاشته مدينة القصر الكبير. مرة أخرى كانت أجهزة الدولة حاضرة في الميدان، وتحركت السلطات وفرق الإنقاذ والإغاثة، واتخذت إجراءات لحماية السكان. لكن حضور الدولة شيء، وحضور الحكومة شيء آخر. وهنا تحديدا تكمن إحدى مشكلات حكومة عزيز أخنوش أنها تبدو في كثير من الأحيان أكثر حضورا في لغة الأرقام والحصيلة والمشاريع، وأقل حضورا في لحظات القلق الجماعي والأزمات التي تحتاج إلى قيادة سياسية واضحة.
ثم جاء "جيل زد" ليضع الحكومة أمام امتحان مختلف. لم يكن الأمر زلزالا ولا فيضانا ولا أزمة حدودية، بل كان انفجارا اجتماعيا وسياسيا يعكس، في جانب منه، أزمة ثقة بين فئات من الشباب والمؤسسات السياسية. كانت المطالب مرتبطة بالصحة والتعليم والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد، قبل أن تتوسع إلى انتقادات أعمق لطريقة تدبير الشأن العام.
وهنا أيضا لم تكن المشكلة في غياب الدولة. الأمن كان موجودا، والإدارة كانت موجودة، والمؤسسات كانت تشتغل. لكن السؤال كان سياسياً بامتياز أين الخطاب السياسي القادر على الاستماع إلى جيل جديد، وفهم لغته، وإقناعه بأن المؤسسات قادرة على الإصغاء والاستجابة؟
من هنا يصبح اختزال كل هذه الإشكالات في شخص أخنوش أمرا سهلا لكنه غير كاف. فالمشكلة أعمق من رئيس حكومة بعينه، وأعمق من حزب أو تحالف حكومي. المغرب، في تقديري، يعاني أزمة نخب.
ولا أقصد بذلك غياب الكفاءات. المغرب يتوفر على كفاءات كبيرة داخل الإدارة والجامعة والاقتصاد والمجتمع المدني ومؤسسات الدولة. لكن الفجوة تكمن في النخبة السياسية التي يفترض أن تحول هذه الكفاءات إلى رؤية، وأن تحول الإمكانات إلى مشروع، وأن تكون قادرة على حمل المسؤولية السياسية عندما تصبح الظروف صعبة.
لقد تغير المغرب بسرعة، بينما لم تتغير النخبة السياسية بالسرعة نفسها. البلاد مقبلة على رهانات ضخمة: كأس العالم 2030، التحولات الاقتصادية، موقع المغرب في إفريقيا، العلاقات مع أوروبا، قضية الصحراء وتنزيل الحكم الذاتي، الأمن المائي، التشغيل، التعليم، الصحة، الهجرة، التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، فضلا عن التحولات الاجتماعية والديموغرافية العميقة.
هذه الرهانات تحتاج إلى سياسيين يمتلكون رؤية تتجاوز تدبير اليومي، وإلى قيادات قادرة على قراءة التحولات الدولية والإقليمية، وعلى مخاطبة المجتمع بلغة تقنعه، لا بلغة البيانات الحزبية التقليدية.
المشكلة ليست فقط في ضعف الكاريزما السياسية، وإنما في أن حجم الكاريزما والقدرة على القيادة لدى جزء من النخبة لا يبدو دائما متناسبا مع حجم الرهانات المطروحة أمام المغرب.
الكاريزما السياسية ليست صورة تلفزيونية، وليست كثرة الظهور، وليست قدرة على إدارة التواصل المؤسساتي. الكاريزما الحقيقية تظهر عندما تقع الأزمة عندما يخاف الناس، عندما يغضب الشباب، عندما تغرق المدن، عندما تهتز الأرض، أو عندما تصبح البلاد أمام أزمة حدودية ودبلوماسية. في تلك اللحظات، يريد المواطن أن يرى مسؤولا يقول له بوضوح نحن هنا، نعرف حجم المشكلة، نتحمل مسؤوليتنا، وهذه هي الخطوات التي سنقوم بها.
وهنا يمكن فهم الفارق الذي أظهرته أزمة سبتة بين مدريد والرباط، بعيدا عن أي تقييم للمواقف السياسية للطرفين. فسانشيز اختار أن يظهر في قلب الأزمة، وأن يجمع مؤسسات الدولة، وأن يرفع مستوى التعامل معها، وأن يقدم للرأي العام صورة حكومة تقود وتقرر وتنسق. أما في المغرب، فقد ظل الحضور السياسي للحكومة في مثل هذه اللحظات أقل من حضور الدولة وأجهزتها، وهذا هو جوهر المسألة.
لا يتعلق الأمر بالمطالبة بأن يذهب رئيس الحكومة إلى كل مكان منكوب لالتقاط الصور، ولا بأن يحضر كل حادثة. بل يتعلق بوجود قيادة سياسية قادرة على تحويل حضور الدولة المؤسساتي إلى ثقة سياسية لدى المواطنين. فالدولة تستطيع أن تشتغل في صمت. بينما الحكومة لا تستطيع أن تحكم في صمت دائماً.
الحكومة مسؤولة عن السياسة، والسياسة تحتاج إلى خطاب، وإلى حضور، وإلى مساءلة، وإلى القدرة على الاعتراف بالنقص قبل الاحتفال بالنجاح. ولذلك فإن النقد الموجه إلى أخنوش وحكومته لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال ماذا فعلت الحكومة؟ بل يجب أن يمتد إلى سؤال أكثر عمقاً لماذا لا يشعر المواطن دائماً بأن حكومته موجودة معه في لحظة الأزمة بالقدر نفسه الذي يشعر فيه بوجود الدولة؟ وهنا نصل إلى أصل المشكلة.
المغرب لا يعاني أزمة دولة. ولا يعاني بالضرورة أزمة مؤسسات. بل إن الدولة المغربية أثبتت في محطات كثيرة قدرتها على التعبئة والتدخل وإدارة الأزمات. لكن المغرب يعاني، في تقديري، أزمة نخب سياسية لم تعد دائما في مستوى التحولات التي يعيشها البلد.
لقد كبرت رهانات المغرب، من الجغرافيا السياسية إلى الاقتصاد وكأس العالم 2030، فيما لم تكبر معها بالقدر نفسه نخبه السياسية؛ فالمغرب اليوم لا يحتاج فقط إلى حكومة تدبّر الملفات، بل إلى نخبة تمتلك رؤية وكاريزما وقدرة على صناعة القرار وطمأنة المجتمع في لحظات الاختبار. فهل نحن أمام مغرب يتقدم بأسرع من نخبته السياسية؟
04 septembre 2026 - 18:00
28 août 2026 - 10:00
14 août 2026 - 13:00
10 août 2026 - 12:00
30 juillet 2026 - 22:00
مواطن حمدي
صوت المواطن