بقلم : عمر لمغيبشي
لم يعد ملف الصحراء المغربية مجرد نزاع إقليمي مؤجل تُدار تفاصيله داخل أروقة الأمم المتحدة وفق إيقاع بطيء، بل صار في السنوات الأخيرة مجالاً لإعادة ترتيب موازين القوى وتحديد مواقع الفاعلين الدوليين في شمال إفريقيا. ومع تصاعد خطاب الواقعية داخل الدبلوماسية الغربية، وتنامي الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء، أخذت المبادرة المغربية للحكم الذاتي تنتقل من وضع “مقترح قابل للنقاش” إلى وضع “مرجعية عملية” تتقدم تدريجياً على ما عداها من تصورات.
وفي هذا السياق، يكتسب لقاء مدريد أهمية خاصة، لا بوصفه محطة تفاوضية عابرة، بل باعتباره مؤشرا على تحول عميق في طبيعة إدارة الملف. فالتسريبات المتداولة تشير إلى انتقال النقاش من مستوى المبادئ الكبرى إلى مستوى التفاصيل التقنية المرتبطة بتنزيل الحكم الذاتي، بما يعني أن النزاع بدأ يدخل مرحلة جديدة تتجاوز منطق إدارة الأزمة نحو منطق بناء الحل. كما أن الوساطة الأمريكية في هذا اللقاء تعكس توجها واضحا نحو إعادة تشكيل مسار التسوية خارج الجمود الأممي، مع الحفاظ على الغطاء الدولي الضروري لأي مخرج سياسي مستقبلي.
1. من صراع المشاريع إلى تكريس المبادرة المغربية كمرجعية وحيدة
تُظهر المعطيات المتداولة أن واشنطن نجحت في فرض المبادرة المغربية المحينة كوثيقة أساسية وحيدة للنقاش، وهو تحول يحمل دلالات استراتيجية بالغة. فحين تصبح وثيقة واحدة هي قاعدة الحوار التقني، يصبح ذلك إقرارا عمليا بأن باقي الأطروحات فقدت قدرتها على المنافسة أو التأثير داخل المسار التفاوضي. هذا التطور لا يرتبط فقط بمهارة دبلوماسية ظرفية، بل يعكس مسارا طويلا اشتغل فيه المغرب على تقديم الحكم الذاتي كحل متكامل، يتضمن أبعاداً دستورية وإدارية واقتصادية، ويستجيب لمتطلبات الاستقرار الإقليمي.
ويعزز هذا التحول اتجاه دولي متنامٍ يرى أن النزاع لم يعد قابلاً للحل عبر التصورات التقليدية التي كانت تطرح منذ نهاية الحرب الباردة. فالاستفتاء، رغم حضوره في أدبيات الأمم المتحدة، تراجعت قابليته للتطبيق بفعل التعقيدات المرتبطة بالهوية الانتخابية والتوازنات الميدانية، وهو ما جعل المجتمع الدولي يتجه إلى مقاربة تقوم على حل سياسي تفاوضي. ضمن هذا المنظور، تحولت الواقعية إلى عنصر حاسم في تقييم الحلول، ولم يعد معيار “المشروعية النظرية” كافياً دون معيار “الإمكان العملي”.
2. اللجنة التقنية الدائمة: منطق التنفيذ يسبق الإعلان السياسي
يمثل الاتفاق على إنشاء لجنة تقنية دائمة خطوة نوعية تعكس دخول الملف مرحلة دقيقة، إذ إن الاشتغال على تفاصيل مثل الضرائب والقضاء والأمن المحلي لا يحدث عادة إلا عندما يتوفر تصور واضح عن شكل الحل النهائي. فالنقاش في هذه الملفات لا يعني فقط تبادل الأفكار، بل يفتح الباب أمام صياغة هندسة مؤسساتية تترجم الحكم الذاتي إلى واقع قانوني وإداري. ومن هنا تتضح أهمية البعد التقني بوصفه وسيلة لإنتاج التوافق، لا مجرد أداة مرافقة. كما أن الإشراف الأمريكي-الأممي على هذه اللجنة يمنحها بعداً مزدوجاً: شرعية دولية من جهة، وقدرة ضغط فعلية من جهة أخرى. فالأمم المتحدة تملك الرمزية القانونية، لكنها غالباً ما تفتقر إلى وسائل الفرض السياسي. أما الولايات المتحدة فتملك النفوذ القادر على تحويل المقترحات إلى التزامات، وهو ما يفسر ظهورها في هذا اللقاء بوصفها الوسيط الأكثر تأثيراً. وفي هذا الإطار، يمكن القول إن الملف يشهد انتقالاً من دبلوماسية البيانات العامة إلى دبلوماسية التفاصيل، حيث تصبح الوثائق والآليات التقنية جزءاً من الصراع السياسي نفسه.
3. الجزائر بين ضغط الواقع وحسابات الرمزية السياسية
تكشف التطورات المرتبطة بلقاء مدريد عن مأزق جزائري واضح: المشاركة في النقاش تعني الدخول في مسار عملي، بينما رفض الصورة الجماعية يعكس محاولة للحفاظ على المسافة الرمزية مع المغرب. فالصورة في العلاقات الدولية ليست مجرد بروتوكول، بل أداة لإنتاج الاعتراف السياسي. لذلك بدا الرفض الجزائري وكأنه رسالة مزدوجة: قبول بالحضور داخل المسار، ورفض لإظهار ذلك للرأي العام كتحول في الموقف.
ويزداد هذا المأزق تعقيدا مع استمرار الخلاف حول مصطلح “تقرير المصير”. فالمغرب يقدم الحكم الذاتي باعتباره شكلاً من أشكال تقرير المصير الداخلي، وهو مفهوم أصبح مقبولاً في العديد من التجارب الدولية التي اعتمدت صيغا جهوية أو فيدرالية داخل الدولة الواحدة. بينما تحاول الجزائر التمسك بالصيغة التقليدية للمفهوم، لما تحمله من قوة رمزية داخل الخطاب السياسي الدولي. غير أن الضغط الأمريكي يبدو، وفق التسريبات، ميالاً إلى دعم القراءة المغربية، ما يعني أن الجزائر تواجه صعوبة متزايدة في فرض لغتها السياسية القديمة داخل السياق الدولي الجديد.
وتظهر هذه التطورات أن لقاء مدريد قد يكون محطة انتقالية نحو مرحلة أكثر حسماً، خاصة مع الحديث عن جولة مقبلة في واشنطن للتوقيع على اتفاق إطار سياسي. وإذا تحقق ذلك، فإن الملف سيكون قد دخل فعلاً مرحلة إعادة البناء السياسي، حيث تتحول التسوية من فكرة عامة إلى مسار مؤسساتي قابل للتنفيذ. وبذلك، تتأكد فرضية أن النزاع لم يعد يُدار بمنطق الانتظار، بل بمنطق التفاوض حول الحل الممكن، تحت ضغط دولي يتجه أكثر فأكثر نحو تثبيت الحكم الذاتي كخيار مركزي ونهائي.
10 février 2026 - 12:00
10 février 2026 - 10:00
07 février 2026 - 22:00
07 février 2026 - 18:30
07 février 2026 - 17:20
01 février 2026 - 09:00
02 février 2026 - 15:30