بقلم : عزيز بوستة
باستثناء سيناريو مفاجئ بالغ الاستبعاد وقد يكون مكلفًا سياسيًا، من المرتقب أن يغادر عزيز أخنوش، خلال أسابيع قليلة، رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار. عملية يُقدَّم إخراجها باعتبارها ممارسة ديمقراطية، لكنها في الواقع شديدة الغموض .قرار مفاجئ، مبرراته غير مقنعة، وخلافته يلفّها قدر كبير من عدم اليقين. غير أن اسم الخليفة المرتقب سيكشف، بالضرورة، ملامح الأغلبية المقبلة، وما يُراد لها أن تكون عليه.
تتناسل التكهنات وتتوالى، وكل طرف يدفع بمرشحه إلى الواجهة. الأسماء تتطاير، والاقتراحات تتكاثر، فيما لا أحد يعلم كيف سيكون الغد الأزرق. لا وجود لخليفة واضح، لكن "أسماك القرش" السياسية حاضرة بقوة. ما قُدّم على أنه قرار نابع من روح ديمقراطية لدى أخنوش، لا يعدو في الحقيقة أن يكون امتدادًا لأسلوب تدبير الملياردير البيضاوي: غموض، تكتم أسرار، مناورات، عقلية قبلية، وهرمية صارمة داخلية وخارجية. ووفق منطقه، فهو يحترم قوانين الحزب بعدم تجاوز ولايتين، ما يعني أنه فكّر في مغادرته، وبالتالي في خليفته، منذ ذلك اليوم "المبارك" من مارس 2022، حين أُعيد انتخابه نظريًا لولاية ثانية وأخيرة. لكن…
عزيز أخنوش "راهب محارب"، على حد تعبير نظيره الفرنسي. استولى على الحزب دون تردد لإزاحة حزب العدالة والتنمية من المؤسسات، ففعل. وانتزع رئاسة الحكومة لتمكين البلاد، دون أي حرج، من الأطر القانونية التي رأى أنها ضرورية للتنمية، ففعل. غير أنه، في الأثناء، تمادى في توسيع هامش سلطته، فازدرى خصومه، وتجاهل المواطنين، ودلّل أتباعه، وأغدق الامتيازات على دائرته الضيقة، بل وحوّل مجموعته العائلية إلى ما يشبه المكوّن السياسي الرابع داخل حكومته. والنتيجة: شعب غاضب، محبط، شباب في الشارع، ومطالب ملحّة برحيله.
وقد سقط رأسه السياسي اليوم، وسيفهم العارفون أن ذلك يشكّل نهاية «مرحلة جيل Z»، تمامًا كما أن إبعاد بعض الوزراء والمسؤولين سنة 2017 جاء بعد أشهر من انتهاء «مرحلة الريف». ذلك هو الزمن الملكي… وهو أمر محمود.
ومع خروج أخنوش سياسيًا بالضربة القاضية، وجد الحزب نفسه فعليًا في حالة فوضى. الطموحات تُعبَّر عنها عبر وسطاء، ولا أحد من الأسماء المتداولة نفى أو أعلن عدم رغبته في تولي رئاسة الحزب: مولاي حفيظ العلمي، رشيد الطالبي العلمي، نادية فتاح، شكيب بنموسى، مصطفى بايتاس، محمد أوجار، محمد سعد برادة، وحتى منصف بلخياط. لم ينفِ أحد، لأن الجميع ينتظر إشارة. ولنكن واضحين، كما يقول ذلك قياديون داخل الحزب أنفسهم: هم ليسوا وحدهم من يختار زعيمهم، بل ينتظرون توجيهًا أو تعليمات، فهكذا كان التجمع الوطني للأحرار منذ نشأته.
ومن هذا المنطلق تتعزز القناعة بأن الشخصية التي ستبرز في النهاية لن تكون وليدة الصدفة، إذ لن يُترك شيء للمصادفة أو لاجتهاد مناضلين غير معتادين على التفكير أو الفعل أو اتخاذ القرار بأنفسهم. وسيكون هذا الاختيار، في حد ذاته، مؤشرًا سياسيًا بالغ الدلالة.
1/ مولاي حفيظ العلمي وشكيب بنموسى
إن اختيار، أو بالأحرى انتخاب أو تعيين، أحد هذين الاسمين على رأس الحزب سيعكس إرادة واضحة للإبقاء على التجمع الوطني للأحرار في سباق رئاسة الحكومة.
الأول رجل أعمال ناجح، مصرفي حديث العهد بالمجال البنكي، لا تحوم حوله أي شبهات تتعلق بالإثراء غير المشروع، لا قبل ولا أثناء ولا بعد تجربته الناجحة التي امتدت ثماني سنوات على رأس وزارة الصناعة والتجارة. يتوفر على الإمكانات الفكرية، والقدرات التواصلية (وإن لم يكن خطيبًا جماهيريًا)، إضافة إلى الوسائل المالية التي تخوّل له التعبئة والحشد. وإذا ما جرى اختياره، فلن يكون ذلك عبثًا.
أما الثاني، فهو من كبار خدام الدولة، "أُلبس اللون الأزرق" عند التحاقه بحكومة أخنوش. وفي السياق المغربي، حين يعود وزير داخلية سابق، وهو منصب سيادي من الصف الأول، إلى الحكومة بلون سياسي محدد، فإن لذلك دلالة واضحة: نحن أمام خطة بديلة (الخطة B)، بعد أن كانت الخطة A هي عزيز أخنوش. وإذا ما تولّى شكيب بنموسى رئاسة الحزب، فسيعني ذلك، في الغالب شبه المؤكد، أن التجمع الوطني للأحرار سيقود حكومة 2026–2030، أو سيكون حاضرًا فيها من خلال مناصب وازنة.
2/ محمد أوجار
يتوفر على المؤهلات، والخبرة، والمعرفة. غير أنه يفتقر إلى "عصب المعركة"، أي القدرة المالية التي بدونها لا يمكن للتجمع الوطني للأحرار في مرحلة ما بعد أخنوش أن يستمر أو يصمد.
3/ نادية فتاح
وزيرة مالية موهوبة، ذات كفاءة تقنية عالية، دقيقة ومقنعة في أدائها، لكنها تظل منذ سنة 2019 حبيسة دهاليز وكواليس الإدارة العليا. فهي ليست سياسية بالمعنى الحزبي، ولا تحمل رؤية أو نفسًا سياسيًا واضحًا، كما أنها لا تجيد مخاطبة الجماهير، وتفتقر بشكل لافت إلى الجرأة السياسية. نادرًا ما تُرى في مناظرات، أو في مواجهة مباشرة مع الإعلام، أو في الدفاع الصريح عن أفكارها، أو في مجابهة منتقديها. صحيح أنها تتوفر على عنصر النوع، لكن هل يكفي ذلك وحده لولوج منصب يتطلب ما هو أكثر بكثير؟
4/ رشيد الطالبي العلمي
يُعدّ أحد الأعمدة التنظيمية الأساسية للحزب، ويتمتع بكفاءة سياسية كبيرة، لكنها أقل بكثير على المستوى التقني والتكنوقراطي. كما أنه محسوب بقوة على عزيز أخنوش، ويطمح في المقابل إلى تقاعد مستحق، يعبّر عنه سرًا وعلانية.
5/ مصطفى بايتاس ومحمد سعد برادة
هناك من هو أفضل، والمغرب يستحق الأفضل. فتوليهما رئاسة الحزب لن يكون سوى نسخة باهتة من مرحلة أخنوش، وقد يشكّل إعلانًا فعليًا لنهاية التجمع الوطني للأحرار.
6/ منصف بلخياط
سبق له أن كان وزيرًا ومنتخبًا، وكان يُعرف بـ "خونا منصف"، غير أن كل المؤشرات اليوم تفيد بأنه غادر العمل السياسي وانتقل إلى مسارات أخرى.
7/ فوزي لقجع وياسر الزناكي
اسمان يُصنَّفان ضمن "الخيارات الخارجية" المحتملة، وقد جرى تداول اسميهما، أو لا يزال، لخلافة عزيز أخنوش. غير أن الأول، رغم شعبيته، لم يعد يملك متسعًا من الوقت أو الجاهزية الذهنية والسياسية، فيما الثاني، غير المعروف لدى عموم الرأي العام، غادر العمل السياسي منذ زمن بعيد بعد تجربة قصيرة. وبالتالي، تبقى حظوظهما ضعيفة.
لا شيء يتسرّب، إطلاقًا… وحتى لو تسرب شيء ما، فإن ظهور حلّ مفاجئ من خارج الحسابات يظل احتمالًا قائمًا، لأننا نتحدث عن حزب التجمع الوطني للأحرار. إن اختيار الرئيس المقبل للحزب سيكشف بوضوح عن التوجّه العام للاستحقاقات الانتخابية المقبلة. والسؤال الجوهري هو: هل سيحافظ الحزب على موقعه في طليعة المشهد أم سيعود إلى دوره التقليدي كقوة سياسية مُسانِدة؟.
في ضوء الوضع الراهن للحقل السياسي، ستنحصر المنافسة الانتخابية بين الأحزاب الثلاثة المتصدّرة حاليًا، مع توقّع تسجيل تقدّم لكل من حزب التقدم والاشتراكية، والحركة الشعبية، وحزب العدالة والتنمية. فإذا ما اعتلى أحد الأسماء الثلاثة الأولى المذكورة سابقًا قيادة الحزب، فإن "الحمام الأزرق" سيواصل زخمه، وقد يظل مؤهّلًا للتنافس على رئاسة الحكومة. أما إذا وقع الاختيار على اسم من خارج هذا الثلاثي، فسيعود الحزب إلى تموقعه التاريخي كقوة ترجيح سياسية لا أكثر.
وسيساهم هذا المسار في مزيد من تفتيت ما تبقى من المشهد السياسي، في ظل متغيّر بالغ الحساسية يتمثل في فئة الشباب دون سن الخامسة والثلاثين، التي يبدو أن الدولة تسعى إلى تحفيز مشاركتها. فهل نحن بصدد إعادة إنتاج مشهد سياسي يستحضر سنتي 1976 و2009، حين جرى الاشتغال على خلق قوى سياسية جديدة انطلاقًا من المستقلين، عبر تأسيس التجمع الوطني للأحرار سنة 1976، ثم حزب الأصالة والمعاصرة سنة 2009؟ لا شيء مستحيل، وكل السيناريوهات تظل ممكنة.
وعليه، يبقى كل شيء مفتوحًا وقابلًا للتأويل، باستثناء حقيقة واحدة: التجمع الوطني للأحرار بدون عزيز أخنوش لن يكون الحزب المتفوّق والمهيمن الذي نعاينه اليوم. وليس مؤكّدًا أن يكون ذلك خبرًا سيئًا…
26 janvier 2026 - 13:00
26 janvier 2026 - 11:00
24 janvier 2026 - 11:20
23 janvier 2026 - 22:00
23 janvier 2026 - 09:00
20 janvier 2026 - 16:00