عبد القادر الفطواكي
لا صوت يعلو اليوم في الأحاديث والنقاشات التي تشهدها الصالونات السياسية هذه الأيام، على صوت المشاورات التي يقودها حزب التجمع الوطني للأحرار في شخص رئيسه عزيز أخنوش. والذي حظي مؤخرا باستقبال ملكي كُلّف على إثره بتشكيل حكومة جديدة، على ضوء ظفر حزبه بالمرتبة الأولى خلال الاستحقاقات الثلاثية التي شهدها المغرب في الـ 8 من شتنبر المنقضي.
أخنوش الذي انطلق بعد يومين فقط من التكليف الملكي، للشروع في التنسيق مع باقي الأحزاب التي تُؤثث المشهد الحزبي المغربي، استقبل بمقر حزبه في الرباط عدد من الأمناء العامين لهاته الأحزاب حسب ترتيبها، وذلك من أجل فتح باب النقاش وتبادل الأفكار وتقريب وجهات النظر حول عدد من الانشغالات المشتركة. لكن السؤال الجوهري المطروح اليوم هو كالتالي: كيف لأحزاب لا تتقاسم وحزب الحمامة نفس الاديولولوجيات السياسية أن تتحالف معه؟، وكيف لوجوه حزبية كالت لأخنوش وحزبه جملة من الاتهامات عبر خرجات إعلامية غير بعيدة أن تأتي اليوم للحصول على نصيبها في "لوزيعة" الحكومية والظفر بحقائب وزارية مستشهدة بقولة بنكيران الشهيرة "عفا الله عما سلف".
وهبي المعروف داخل حزبه قبل غيره بازدواجية الخطاب الذي يصرفه في جميع خرجاته، قال بالحرف خلال عدد من اللقاءات الصحفية قبل الانتخابات، أنه لن يتحالف مع الأحرار إن فاز حزبه بالانتخابات، حيث شنّ هجوما قويا على عدد من قادة حزب الأحرار بخصوص موضوع الجمعية الخيرية "جود" ودورها في استمالة القوى الناخبة قبل الاقتراع، كما اتهم الحزب باستغلال وسائل الدولة ومواردها البشرية خاصة المدراء الجهويين لوزارة الفلاحة التي يشرف عليها أخنوش منذ سنوات، من أجل القيام بحملات انتخابية سابقة للأوان لحزبه حسب ما صرح به كبير حزب الجرار.
مدفعية وهبي لم يتوقف قصفها للأحرار عند هذا الحد، بل طلب الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة في خرجة قوية أخنوش بصريح العبارة، إرجاع 17 مليار درهم لخزينة الدولة، في إشارة إلى الأرباح التي حققتها شركاته العاملة في قطاع المحروقات.
فكيف يعقل اليوم أن يخطب وهبي اليوم ودّ الحمامة التي سعى بشتى الوسائل إلى قصّ أجنحتها قبل الانتخابات، لكنها حلقت بقوة الصناديق نحو الصدارة، دونما اعارة وهبي لأدنى اعتبار للأخلاق السياسية التي تتبناها كل دول المعمور، كيف يمكن للحقائب الوزارية والرغبة في رئاسة البرلمان، أن تدفع وهبي في وضع يده في يد شخص كان إلى غاية الأمس القريب، لا يطيق حتى سماع اسمه بل بالأحرى التحالف معه في جمع حكومي موحد في تحول مدهش للمحامي السوسي، إنها بحق لمن عجائب السياسة بالمغرب !.
نفس الطرح ينطبق على حزب الاستقلال الذي حل ثالثا في انتخابات 2021، حيث اتهم أمينه العام نزار البركة صراحة حزب أخنوش بتبطيق المواطنين المغاربة وضمهم لحزب الحمامة، مقابل "قفة رمضان" الشهيرة في حملة انتخابية قبل الأوان، ضاربا بذلك كل الأعراف المتعلقة بتكافئ الفرص بين كل الأحزاب المشاركة في الانتخابات. لكن ها هو حزب الميزان اليوم ولو أن موقفه من المشاركة في حكومة أخنوش لازال معروضا على المجلس الوطني لحزب الاستقلال والذي سيجتمع بشكل استثنائي للخوض في الموضوع، قد حل أمينه العام بمقر حزب الأحرار للتشاور حول البرنامج الحكومي المقبل، حيث تلقى عرضا من رئيسه للانضمام للحكومة، فهل يقبل الاستقلاليون يوم الـ 18 شتنبر عرض حزب الأحرار والتحالف مع حليف اتخذ شعار :"القفة مقابل التحزيب" لا شريك يقاسم حزبهم نفس الأفكار والبرامج ؟.
حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، لم يخرج خلال هذه المرحلة السياسية الدقيقة التي يشهدها المغرب عن هذه القاعدة الشاذة، حيث جلب الكاتب الأول لحزب الوردة إدريس لشكر زميله في الحزب المغرم بهواية الكراسي رئيس مجلس النواب الحبيب المالكي للقاء أخنوش، والهدف الظفر بنصيب من "الوزيعة" الحكومية، حيث يبدو أن حركة تحية المالكي لأخنوش أن الأول قدم إلى مقر الأحرار حامل شعار "ها العار أسي أخنوش جود علينا بشي حقائب حكومية.."، فلهذا الرجل نهج سيرة غني من المسؤويات والمناصب الحكومية منذ زمن.
كيف يعقل في المنطق السياسي المغربي اليوم أن يأتي حزب الاتحاد الاشتراكي بكل الرمزية والحمولة التاريخية للتحالف مع حزب لطالما وصفه مناضلوه بالحزب الاداري حزب "كوكوط مينوت"، والذي قيل أن البصري أسسه إلى الاتحاد الدستوري، لإضعاف أحزاب الكتلة وإفراغ طموحاتها الشعبية واصفين حزب الحمامة بالمفتقد لمشروع سياسية واضح المعالم، وأن هدفه ربحي غيره، كيف غيرت الحقائب الوزارية مفاهيم القادة الاشتراكيين والمبادئ التي اعتمدها رموز عبدالرحيم بوعبيد وعمر بنجلون وعبد الرحمان اليوسفي وغيرهم خارطة طريقة لحزب الوردة؟.
لائحة الأحزاب التي استقبلها وسيستقبلها أخنوش تمهيدا للخروج بحكومة جديد هي في حقيقة الأمر لائحة طويلة، ويسري على جلّها ما ذكرناه في حق أحزاب الجرار والميزان والوردة، لكن في مقابل هذه الفوضى في الاديولوجيات المختلطة بالمصالح السياسية التي من شأنها رسم ملامح الحقل السياسي والحزبي الجديد مستقبلا، نجد أنفسنا اليوم أمام كمّ كبير من الأسئلة التي حاطت وتحوط بهاته المشاورات الحكومية الملغومة، والتي وجب على قادة هاته الأحزاب رفع اللبس بشأنها قبل الكشف عن قرارها ركوب قطار الأغلبية، من خلال توضيح المواقف، أو الاعتذار إن استدعى الأمر ذلك، في شأن عدد من الاتهامات التي وجهت لشخص رئيس الحكومة الجديد وحزبه لتوضيح فحوى هذا "العشق الممنوع" وتعليل الانسجام الجديد، أو الاحتكام للمنطق من خلال التخندق في موقع المعارضة احتراما لذكاء المواطن المغربي، الذي قرر الانخراط في الحياة السياسية بمشاركة جد مهمة خلال آخر اقتراع شهدته المملكة.. وللحديث بقية.
04 août 2024 - 20:00
05 janvier 2024 - 12:00
19 décembre 2023 - 12:00
18 novembre 2023 - 20:00
18 septembre 2023 - 20:00