تبعا لذلك، "كان الحديث عن الحوار الداخلي كخطوة هامة للمصالحة وتوحيد الصف الداخلي وإعادة صياغة أطروحة متجددة تستجيب لتطلعات المرحلة السياسية، بما فيها تحقيق آمال شريحة واسعة من الشعب المغربي"، يقول الحيوني قبل أن يضيف "للأسف البداية كانت غير سليمة حين قررت الأمانة العامة الإشراف الكلي على هذا الحوار ووضع خطوطه العريضة، بل والمحاور التي يجب تناولها، هذه كانت الإشارة السلبية الثانية كون القيادة الحالية لا رغبة حقيقية لديها في الأخذ بالرأي الآخر على مستوى القرارات المؤسساتية وبالتالي لم تستفد من خطئها السابق المتمثل في إقصاء قياديين من العضوية في الأمانة العامة رغم أنهم حصدوا أكبر عدد من الأصوات حين اختارهم المؤتمر الوطني أعضاء بالمجلس الوطني للحزب".
من هنا بدأت الصورة تتضح أكثر، يضيف الحيوني، وأن "الحوار الداخلي ما هو إلا مدخل لكسب المزيد من الوقت من جهة كآلية لإخماد الغضب الذي انتشر بين صفوف القواعد خاصة بسبب طريقة التدبير الحكومي الغير الموفق من طرف من يمثلون الحزب بالحكومة الحالية، انطلاقا من موقفهم الغير المفهوم من حراك الريف السلمي مرورا ببلاغ الحكومة حول المقاطعة للمنتوجات الثلاثة، وعلى رأسها شركة الحليب إلى البلاغ الأغلبي الأخير حول الأحكام القاسية ضد شباب الحسيمة ونواحيها".
وذهب المتحدث إلى أن "الذي يزكي هذا الطرح كون الحوار الداخلي لا يعكس حقيقة رغبة جدية في تصحيح الوضع والبحث عن حلول للأزمة، فالطريقة التي تم بها اختيار المشاركين في الحوار، وباستثناء بعض الأسماء التي تحظى بشعبية كبيرة لم يكن ممكن استثناءها وهي فرصة لتأثيث الحوار الداخلي ليلقى قبولا لدى القواعد، عرف التعيين الذي وافقته عليه الأمانة العامة إقصاء حقيقي لكثير من الأصوات المخالفة، بل والغريب اختيار أسماء بعينها معروفة مسبقا مواقفها، وبالتالي أجدها محاولة للخروج بتوصيات على المقاس بغية انتزاع "شرعية" وإلزام الأعضاء بمخرجات الحوار".
ادريس الگنبوري، المحلل السياسي، قال من جهته في تصريحات ل"مواطن" : "لا أعتقد بأن الحوار الداخلي في حزب العدالة والتنمية سيخرج بنتائج، فهدف الحوار هو الوصول إلى تسويات ومصالحة ظرفية في هذه المرحلة التي تعيش فيها قيادة الحكومة أزمة كبيرة بسبب سوء تدبير العديد من الملفات الحرجة".
واعتبر المتحدث أن "غياب بنكيران سيلقي بظلاله على نتائج هذا الحوار، لأن غيابه يدل على أنه لا يوافق عليه ويعتبره محاولة لطي صفحته في الحزب وسحب البساط من تحته"، حسب ما جاء على لسان الگنبوري الذي زاد "اعتقد ان هذا مجرد تكتيك يقوم به العثماني للتغطية على فشله سواء في تدبير الحكومة او في تدبير شؤون الحزب،والهدف منه هو الدعاية الإعلامية".
وخلص المتحدث إلى أن "العثماني أمام صعوبة كبيرة جدا، فالضمان الوحيد لنجاح الحوار هو أن ينجح في تدبير الحكومة، لأن الحزب سيتبرا منه إذا فشل وسيعود إلى خيار بنكيران"، ولذلك "هذا الحوار مرحلي فقط لامتصاص الغضب ولن تكون له نتائج ملموسة".
من جهته، يرى عبد الإله السطي، الباحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري أن الحوار الداخلي الذي تم تدشينه بحزب العدالة والتنمية، يأتي في سياق "يعاني من خلاله الحزب من حالة من الاستقطاب الحاد بين أطروحتين، أفرزتهما واقعة إعفاء السيد بنكيران من قيادة الحكومة، بعد تصدر الحزب لنتائج الانتخابات التشريعية للسابع من أكتوبر 2016".
وتنبني الأطروحة الأولى حسب الباحث على أن حالة الإعفاء "تؤسس لمسار من التراجع عن المكاسب التي حققها المغرب على مستوى مسلسل الإصلاحات السياسية التي دشنها بعد دستور 2011، والتي كانت من ثمراتها قيادة حزب العدالة والتنمية لأول حكومة في ظل الدستور الجديد، وبالتالي الوضعية تقتضي التمديد لبنكيران المنتهية ولايته من أجل تحصين ما يمكن تحصينه من هذه المكاسب بالنظر إلى قدرة الرجل التعبوية والتأطيرية"، في ما الأطروحة الثانية تدعو إلى التعاطي مع الحدث بنوع من المرونة، واستحضار خصوصية الظرفية السياسية التي تقتضي التنازل عن بعض المواقع والمكتسبات التي حققها الحزب.
ويذهب السطي إلى ان غياب الأمين العام السابق عبد الإله بنكيران عن الحوار، بالإضافة إلى المنهجية التي تم اعتمادها في تأطير هذا الحوار، الذي جعل من الجلسات التي يعقدها تختتم بدون تقديم توصيات وخلاصات، بالإضافة إلى طريقة تفاعل سعد الدين العثماني مع الانتقادات التي تم طرحها في أول جلسات الحوار، "ينبئ بمحدودية النتائج التي يمكن التوصل إليها، وذلك في اعتقادي يعود بدرجة أولى إلى غياب عنصرين رئيسيين عن هذا الحوار. أولا غياب عبد الإله بنكيران الذي يشكل دعامة رئيسية للتعبئة والتأطير داخل الحزب، بالإضافة إلى خبرته المتراكمة في التدبير المؤسساتي للحزب سواء في علاقته بالسلطة السياسية أو في علاقته بالمناضلين المحليين"، و"عنصر ثاني يتعلق بالطريقة والشكل الذي تفاعل به الأمين العام الحالي مع الانتقادات الموجهة لطريقة تدبير حكومته".
هذه العوامل من شأنها حسب الباحث في العلوم السياسية أن "تفقد هذا الحوار وهجه وأيضا حيوية الأفكار التي يمكن معالجتها"، كما أنها تعتبر بمثابة رسائل "تتضمن مؤشرات على أنه مهما علت درجة النقد لطريقة تفاعل الحزب مع المرحلة الجديدة، إلا أن درجة الاستجابة لما يمكن أن يطرح من أفكار وحلول بديلة لتدبير المرحلة المقبلة للحزب قد تكون ضعيفة وضعيفة جدا"، يقول السطي.