عبد القادر الفطواكي
لم يكن تعيين وليد الركراكي مدرباً للـالمنتخب المغربي لكرة القدم قراراً تقنياً عادياً في سياق رياضي متقلب، بل جاء في لحظة دقيقة أعقبت نهاية تجربة وحيد خليلوزيتش، وهي مرحلة اتسمت بقدر من التوتر داخل محيط المنتخب وبفتور في العلاقة بين بعض اللاعبين والجماهير. في تلك اللحظة، كان الرهان مزدوجاً: إعادة الانسجام إلى بيت “أسود الأطلس”، وترميم الثقة داخل غرفة الملابس، مع استعادة الأمل الجماعي لدى الشارع الرياضي المغربي.
منذ الأسابيع الأولى لقيادته المنتخب، بدا أن الركراكي اختار مقاربة مختلفة تقوم على القرب الإنساني من اللاعبين وعلى خطاب تحفيزي بسيط لكنه مؤثر، إلى جانب رؤية تقنية تمزج بين الواقعية التكتيكية والانضباط الجماعي. لم يكن التحول في الأسلوب فقط، بل في المزاج العام للفريق أيضاً. وقد تجلّى ذلك بوضوح خلال مشاركة المغرب في كأس العالم 2022، حين قاد المنتخب إلى بلوغ نصف النهائي في إنجاز غير مسبوق عربياً وإفريقياً. لقد تحولت تلك اللحظة إلى محطة مفصلية في تاريخ الكرة المغربية، إذ أعادت تعريف صورة المنتخب على الساحة الدولية وخلقت شعوراً جماعياً بالفخر تجاوز حدود الرياضة.
ذلك الإنجاز لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة إدارة تقنية وبشرية دقيقة لمجموعة من اللاعبين الذين ينشطون في أعلى مستويات الاحتراف. فقد تمكن الركراكي من توحيد غرفة الملابس وتوجيه طاقات لاعبين بارزين مثل أشرف حكيمي وحكيم زياش وسفيان أمرابط ضمن منظومة جماعية منضبطة جعلت المنتخب المغربي رقماً صعباً في المنافسات الدولية.
غير أن المسارات الرياضية الكبرى لا تُقاس فقط بلحظات المجد، بل أيضاً بقدرتها على الصمود أمام لحظات التعثر. فبعد بريق المونديال وما حمله من زخم رمزي غير مسبوق، بدأت بعض المؤشرات على تراجع النسق تظهر تدريجياً، سواء على مستوى الأداء الجماعي أو في القدرة على الحسم خلال المباريات المفصلية. وقد برز ذلك أولاً في الخروج المبكر من كأس الأمم الإفريقية 2023، وهي محطة كانت الجماهير تنتظر أن تتحول إلى لحظة تتويج لمسار واعد، لكنها انتهت بخيبة أمل أعادت طرح أسئلة حول قدرة المنتخب على تحويل إنجازه العالمي إلى تتويج قاري. غير أن الصدمة الأكبر جاءت في نهائي كأس إفريقيا 2025 التي احتضنها المغرب، حين خسر المنتخب اللقب أمام السنغال في مباراة قاسية على مستوى النتيجة والأداء، أعادت إلى الواجهة نقاشاً واسعاً حول اختيارات الطاقم التقني ومعايير تشكيل المجموعة، وحول مدى قدرة المنتخب على استعادة التوازن الذي صنع مجد مونديال قطر.
ولم يتوقف الجدل عند حدود النتائج الرياضية، بل امتد إلى الطريقة التي انتهت بها تجربة الركراكي مع المنتخب. ففي لحظة الإعلان عن تعيين خلف له داخل المنظومة التقنية، أثار موقفه الرافض لمصافحة المدرب الجديد طارق وهبي، رغم إلحاح رئيس الجامعة فوزي لقجع، نقاشاً واسعاً حول رمزية الوداع في المؤسسات الرياضية. فمثل هذه اللحظات، وإن بدت بروتوكولية في ظاهرها، تحمل في العمق دلالات تتعلق بثقافة التداول واحترام استمرارية المؤسسات.
لقد كان بإمكان الركراكي أن يغادر المشهد بإيماءة رمزية بسيطة تعكس نضج التجربة وتُحافظ على الصورة التي ارتبطت بإنجازه المونديالي. غير أن ما حدث ترك انطباعاً مختلفاً لدى جزء من الرأي العام، وألقى بظلال من الجدل على لحظة كان يفترض أن تكون امتداداً طبيعياً لمسار مهني حافل.
ومع ذلك، فإن اختزال تجربة الركراكي في لحظة تعثر، سواء داخل الملعب أو خارجه، سيكون قراءة مجحفة لمسار أعاد للكرة المغربية الكثير من بريقها وهيبتها. فالرجل قاد المنتخب في مرحلة مفصلية ونجح في تحقيق إنجاز تاريخي سيظل راسخاً في الذاكرة الرياضية الوطنية.
في المحصلة، تكشف تجربة وليد الركراكي مع المنتخب المغربي لكرة القدم عن طبيعة المسارات الكبرى في عالم الرياضة: لحظات صعود استثنائية تقابلها اختبارات صعبة، وإنجازات تاريخية قد ترافقها لحظات جدل أو خيبة. وبين مجد كأس العالم 2022 وتعثر كأس الأمم الإفريقية 2023، ثم جدل لحظة الوداع، يبقى الحكم الأكثر إنصافاً هو ذاك الذي يوازن بين ما تحقق من إنجازات غير مسبوقة وبين ما كشفته التجربة من دروس حول القيادة الرياضية وثقافة الخروج من المشهد.
16 février 2026 - 18:00
29 janvier 2026 - 14:00
23 janvier 2026 - 16:00
20 janvier 2026 - 17:00
12 janvier 2026 - 16:00
مواطن حمدي