موسى متروف
على ضوء منهجية وضعها باحثون في جامعة "هارفارد" الأمريكية العريقة، في دراسة حديثة عن التحولات الهيكلية للاقتصادات، حللت دراسة للمندوبية السامية للتخطيط واقع المنتوجات المغربية القابلة للتصدير، من أجل تقييم الفرص التي يمكن أن تستفيد منها، بالنظر إلى إمكانات التنويع للنسيج الإنتاجي الوطني.
وتقترح المندوبية هذه الدراسة كـ"أرضية" للنقاش مع الفاعلين الاقتصاديين، بحكم أنهم أولا معنيون بها، وقد شرعت مندوبية أحمد الحليمي في المناقشة مع مهنيي النسيج.
تنويع الاقتصاد ضرورة قاطعة
أكد الحليمي على "الضرورة القاطعة المتمثلة في تنويع النسيج الإنتاجي لاقتصادنا"، من أجل تحسين الادخار المحلي على المدى البعيد، عن طريق زيادة توزيع فرص الشغل والدخل والمدخرات الوطنية من خلال توفير صادرات أقوى وأكثر قدرة على المنافسة.

واعتبر الحليمي، في لقاء حول "إمكانات تنويع الاقتصاد المغربي والفرص الجديدة للنمو" بمقر المندوبية بالرباط أمس الثلاثاء، أنه في عام 2012، "كنا قد آثارنا هذه المسألة، مؤكدين للمرة الأولى، ونكرر، منذ ذلك الحين، في كل عرض من ميزانيتنا الاقتصادية، أن هذا التنويع لا غنى عنه للنهوض بالطلب الخارجي على غرار حجم الطلب المحلي المحرك لنمونا الاقتصادي. وفي هذا الصدد، كنا نواصل تبرير دعواتنا المتكررة إلى تحويل نموذجنا للتنمية الذي قدمناه إلى حالة من الإرهاق، حتى على مقربة من حدوده".
وشدّد المندوب السامي من جديد على "الطابع الملح لهذه المشكلة نفسها في استنتاجات دراستنا بشأن مردودية رأس المال المادي في المغرب ووضعنا لنفس الغرض التركيز على ضرورة تعزيز تراكم الاستثمار في الاقتصاد. و توجيهه نحو القطاعات الإنتاجية في اقتصادنا. وجرى التأكيد على نفس الاستنتاجات أثناء عملنا بشأن قياس رأس المال البشري أو في التحليلات الدورية العديدة لحالة سوق الشغل في بلدنا وآثاره على انخفاض تقييم الموارد البشرية".

ويستند النهج الذي طرحه باحثو الجامعة الأمريكية، كما قدمه بتفصيل إلى دراسة "فضاء المنتج" الذي يشير إلى جميع المنتجات في السوق العالمية. وهو يحلل كل من هذه المنتجات، وفقا للمحتوى الذي يتضمنه من حيث المعرفة والمعرفة التكنولوجية والدراية وكفاءة البيئة الاجتماعية والمؤسسية.
ويؤدي التحليل إلى مستوى هذه القدرات التي يتوفر عليها النسيج الإنتاجي للاقتصادات الوطنية والتي تنشأ منها هذه المنتجات، مما يؤدي إلى مؤشر على مستوى التشعب الذي يتسم به هذا الأخير، وهو ما يعبر عنه مؤشر التشعب الاقتصادي. أيضا، كلما زاد عدد المنتجات التي ينتجها البلد مع زيادة مؤشرات أسعار المستهلكين، كلما زاد اقتصاده تشعبا وزادت إمكانية تنويعه ونموه.
وتعالج الدراسة تطور بنية الصادرات المغربية التي تهم 661 منتجا خلال الفترة 2000 و2014.
وإجمالا تمكن المغرب من تحقيق استقرار عدد قليل من صادراته (8% من مجموع المنتجات المصنفة) دون أن يتمكن من دمج المزيد من المنتجات في حيز الصادرات. ويعزى ذلك إلى ضعف عدد المنتجات التي تمر بمرحلة انتقالية (3% من مجموع المنتجات المصنفة)، ما يقارب عدد المنتجات التي فقدت الميزة النسبية الظاهرة خلال نفس الفترة. وبالإضافة إلى ذلك، يتمتع المغرب بميزة نسبية كامنة كبيرة على المدى القصير والبعيد، مما يدل على توفرها على فرص وإمكانيات تنويع كبيرة (87%).
هيمنة المواد الخام والمنتجات الأولية
يتضح من الدراسة أن أغلب الصادرات المغربية تتكون من المواد الخام والمنتجات الاولية والمنتجات ذات المحتوى التكنولوجي المنخفض (66% من إجمالي الصادرات). بالإضافة إلى ذلك، فإن المنتجات المستقرة والتي تمكن المغرب من الحفاظ على مزاياه النسبية، تشكل 88% من المواد الخام والمنتجات الأولية والمنتجات ذات المحتوى التكنولوجي المنخفض. وبالمثل، فقد تحسنت المزايا النسبية المرتبطة بالمنتجات الانتقالية بنسبة 94% في حيز نفس فئات منتجات : المواد الخام، المنتجات الاولية والمنتجات ذات محتوى تكنولوجي منخفض.
وإجمالا، تبلغ إمكانية التنويع في الاقتصاد الوطني 62% في المنتجات الخام والمنتجات الأولية والمنتجات ذات المحتوى التكنولوجي المنخفض. أما الإمكانيات المتبقية من المنتجات الجديدة والتي يبلغ عددها 216 منتجا، فتتشكل من منتجات ذات المحتوى التكنلوجي المتوسط والعالي، مع تحقيق الربع (55 منتجا) على المدى البعيد.
لقد انعكس ضعف دينامية المزايا النسبية الظاهرة وكذا المحتوى التكنولوجي على مستوى تشعب الاقتصاد الوطني، وبالتالي على مؤشر التشعب الاقتصادي. وهكذا اتضح من خلال تطور هذا المؤشر في المغرب يظهر في السنوات الأخيرة منحى تنازليا يعكس استمرار فقدان القدرة التنافسية للعرض التصديري الوطني.
وأخذا بعين الاعتبار لقدرة مؤشر التشعب الاقتصادي على التنبؤ بالنمو الاقتصادي المستقبلي فإن النمو الاقتصادي الوطني يعكس تقارب الناتج الداخلي الإجمالي للاقتصاد المغربي نحو محتواه الذي يتسم بالتشعب الاقتصادي، خاصة بعد تأثيرات الأزمة التي أضعفت انتعاش الظرفية التي استفادت منها البلاد. ويشير ذلك إلى أن المغرب يميل للوصول إلى مستوى مداخيل تشعب بنياته الإنتاجية، الشيء الذي يبرز أن المجهودات المبذولة يجب أن تركز على تهيئة الظروف التي تسمح بالتشعب بغرض الاقلاع وخلق نمو اقتصادي مستدام.
وفي هذا الاطار يجب اتباع منهجية تحديد فرص تنويع الاقتصاد الوطني، ومن ثم زيادة تشعبه، بالتالي تحقيق نموا اقتصادي مستدام.
وقد مكن تحليل تشعب المنتج للاقتصاد المغربي خلال الفتر2000-2014 من تصنيف المنتجات حسب مستوى التطور العلمي والتكنولوجي للمنتجات التي ترتبط بشكل كبير بالمعرفة الانتاجية المتضمنة في كل منتج.
ويتضح أن منتجات الفلاحة والصيد البحري وصناعات المعادن تستحوذ على حصة 60% من مجموع الصادرات المغربية، لتشكل مستويات جد ضعيفة من التشعب. بالإضافة إلى ذلك، يبرز التحليل أن المنتجات الصناعة التحويلية تبقى أكثر تشعبا مما يعكس إدماجها للعديد من القدرات، بالنظر إلى الحاجة إلى محتوى تكنولوجي أفضل في بنياتها الإنتاجية. غير أن جميع المنتجات سواء الأولية أو الخام وكذلك ذات المحتوى التكنولوجي تتوفر على فرص للتنويع.
إن المنتجات ذات المحتوى التكنولوجي العالي لا تشكل حصريا الاختيار ذو الأولوية لتقييم الإمكانيات التي يتوفر عليها الاقتصاد المغربي من حيث التنويع والتطور العلمي والتكنولوجي. بل على العكس من ذلك، تبقى منتجات الفلاحة و الصيد البحري والصناعات الغذائية وصناعة النسيج والجلد رغم ضعف مستوى تشعبها، فإنها تمنح للاقتصاد المغربي مكاسب لفرص التنويع والتطور العلمي والتكنولوجي أكثر مما توفره المنتجات العالية التشعب.
نموذج النمو المستقبلي
وتخلص الدراسة إلى أن تحليل التحولات الهيكلية للاقتصاد في إطار جديد يهم تحليل فضاء المنتج و التشعب الاقتصادي، مكّن من فتح آفاق جديدة للحوار حول نموذج النمو المستقبلي.
وحسب هذه المنهجية الجديدة، فإن البنية المثلى ودينامية النمو الاقتصادي هي ذات قدرات متاحة اخليا. ويتجاوز هذا المفهوم الإطار التقليدي لتراكم عوامل الإنتاج ليشمل مجموعة المعارف المندمجة في الاقتصاد وقدرته على الجمع بينها للتحرك نحو قدرات جديدة.
وتهم النتيجة الرئيسية الأولى لهذا التحليل فيما يتعلق بالمغرب، تقارب نموه نحو محتوى التشعب الاقتصادي. إن هذا المحتوى الذي يتسم بالضعف والذي يوجد في حالة تفاقم بفعل تدهور تنوع الاقتصاد المغربي وزيادة انتشار منتجاته مقارنة بالإنتاج العالمي، يفسر إشكالية تراجع النمو الاقتصادي الوطني. وهكذا، من خلال مؤشرات التشعب الاقتصادي يمكن للاقتصاد المغربي أن يصبح أكثر تنافسية، ولكن فقط بالنسبة للمنتجات ذات القيمة المضافة الضعيفة لأنها الأقرب إلى بنيته الحالية. ويعزى ذلك رجع ذلك إلى أن المغرب لم يتمكن خلال العقدين الماضيين من تحقيق الاستقرار إلا في عدد قليل من صادراته، التي في معظمها منتجات أولية أو ذات محتوى تكنولوجي ضعيف.
إن فرص التنويع نحو المنتجات المتطورة علميا و تكنولوجيا تبقى كامنة في الاقتصاد المغربي. غير أنه وبناء على هذه الدراسة فإن 60% من هذه الفرص هي اختيارات غير استراتيجية ولن تؤدي إلى التحول الاقتصادي. وهكذا، يتعين من الضروري إعداد إطار لتحديد الاختيارات الاستراتيجية التي ترتكز على القدرات الحالية للاقتصاد وذلك لضمان تنويع مستدام ونمو اقتصادي.
11 janvier 2026 - 14:00
10 janvier 2026 - 20:00
08 janvier 2026 - 11:00
08 janvier 2026 - 09:00
07 janvier 2026 - 12:00
09 janvier 2026 - 15:00