عمر لمغيبشي
شهد النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية محاولة تاريخية لبناء منظومة عالمية تقوم على قواعد قانونية تضبط العلاقات بين الدول وتحد من احتمالات اندلاع الحروب. فقد تأسست الأمم المتحدة عام 1945 على مجموعة من المبادئ الأساسية، في مقدمتها احترام سيادة الدول، وحظر استخدام القوة في العلاقات الدولية، وتسوية النزاعات عبر الوسائل السلمية. وكان الهدف من هذه المبادئ هو منع تكرار المآسي التي عرفها العالم خلال الحربين العالميتين.
غير أن التحولات الجيوسياسية التي عرفها العالم خلال العقود الأخيرة كشفت عن فجوة متزايدة بين النصوص القانونية والواقع السياسي. فالحروب الحديثة تُدار في كثير من الأحيان وفق منطق فرض الوقائع العسكرية أولا، ثم الدخول لاحقاً في نقاشات قانونية وسياسية حول شرعية ما حدث. وفي هذا السياق بدأ عدد متزايد من الباحثين يتحدثون عن أزمة عميقة يعيشها القانون الدولي، بل عن مرحلة يتقدم فيها منطق القوة على منطق الشرعية القانونية. ويزداد هذا النقاش أهمية عندما ننظر إلى عدد من الأحداث الكبرى التي هزت النظام الدولي في العقود الأخيرة، من الحرب على العراق إلى الحرب في غزة، وصولاً إلى التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. فهذه الأحداث لا تكشف فقط عن حجم العنف الذي يمكن أن تشهده النزاعات المعاصرة، بل تطرح أيضاً تساؤلات عميقة حول قدرة القانون الدولي على حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة.
أولا- القانون الدولي بين النظرية وحدود الفاعلية
يقوم القانون الدولي الحديث على مبدأ أساسي يتمثل في حظر استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية، وهو المبدأ الذي نصت عليه المادة الثانية الفقرة الرابعة من ميثاق الأمم المتحدة. كما يقر الميثاق بأن استخدام القوة لا يكون مشروعاً إلا في حالتين محددتين: الدفاع الشرعي عن النفس في حال وقوع عدوان مسلح، أو بناءً على قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي في إطار الفصل السابع من الميثاق. لكن فقهاء القانون الدولي لطالما أشاروا إلى أن هذه القواعد تظل محدودة الفاعلية بسبب غياب سلطة دولية مركزية قادرة على فرضها. فقد رأى الفقيه النمساوي هانس كلسن أن القانون الدولي يختلف عن القانون الداخلي لأنه يفتقر إلى جهاز تنفيذي عالمي يضمن تنفيذ القواعد بالقوة، مما يجعله يعتمد بدرجة كبيرة على إرادة الدول والتزامها الطوعي. أما الفقيه البريطاني هيرش لاوترباخت فقد شدد على أهمية تطوير القضاء الدولي وتعزيز دور محكمة العدل الدولية باعتبارها الضامن الحقيقي لسيادة القانون على المستوى العالمي. وكان يرى أن تطور القانون الدولي يجب أن يقود إلى نظام قانوني يحمي الأفراد والشعوب، لا أن يقتصر على تنظيم العلاقات بين الدول.
ومن زاوية أكثر واقعية، اعتبر الفقيه الأمريكي لويس هنكن أن الدول تلتزم عادة بالقانون الدولي في الظروف العادية، لكن هذا الالتزام يصبح هشا عندما تتعارض القواعد القانونية مع المصالح الاستراتيجية الكبرى. أما الفقيه الفرنسي جورج سيل فقد رأى أن القانون الدولي يقوم على نوع من التضامن بين الدول، غير أن هذا التضامن يتراجع عندما تتحول العلاقات الدولية إلى صراع مفتوح على النفوذ والهيمنة.
ثانيا- من العراق إلى غزة… الأرقام التي تكشف حدود القانون
تكشف الحروب الكبرى في العقود الأخيرة بوضوح حجم التناقض بين المبادئ القانونية التي يقوم عليها النظام الدولي والواقع الميداني للنزاعات المسلحة.
الحرب على العراق
في عام 2003 شنت الولايات المتحدة وحلفاؤها حربا على العراق دون تفويض واضح من مجلس الأمن الدولي، وهو ما اعتبره عدد كبير من فقهاء القانون الدولي خرقاً لمبدأ حظر استخدام القوة. وقد أدت هذه الحرب إلى نتائج إنسانية واقتصادية كارثية. وتشير تقديرات دراسات دولية إلى أن الحرب في العراق أسفرت عن مقتل أكثر من 190 ألف شخص نتيجة العنف المباشر، بينهم ما يزيد عن 130 ألف مدني. كما أدت الحرب إلى نزوح ملايين العراقيين داخلياً وخارجيا، وتدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية للبلاد. أما الكلفة الاقتصادية للحرب فقد تجاوزت 2.2 تريليون دولار بالنسبة للولايات المتحدة وحدها، في حين تكبد العراق خسائر اقتصادية هائلة نتيجة الدمار الذي طال المدن والمنشآت الحيوية وقطاعات الإنتاج والخدمات.
ورغم هذا الحجم الهائل من الخسائر البشرية والمادية، لم تتم ملاحقة أي من المسؤولين السياسيين أو العسكريين عن هذه الحرب أمام القضاء الدولي، وهو ما يعكس محدودية آليات المساءلة في النظام القانوني الدولي.
الحرب في غزة
تقدم الحرب في غزة مثالاً آخر على التحديات التي تواجه القانون الدولي الإنساني في النزاعات المعاصرة. فمنذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023 قُتل أكثر من سبعين ألف فلسطيني، وأصيب ما يزيد عن مئة وتسعة وستين ألف شخص بجروح مختلفة. كما تشير تقديرات الهيئات الدولية إلى أن نحو تسعين في المائة من البنية التحتية في قطاع غزة تعرضت للتدمير أو لأضرار جسيمة، ودُمر أو تضرر أكثر من مئة وتسعين ألف مبنى، فيما أصبح معظم سكان القطاع نازحين داخل مناطق مدمرة تفتقر إلى الخدمات الأساسية.
وقد أدى هذا الدمار الواسع إلى انهيار أجزاء كبيرة من النظام الصحي والتعليمي، إضافة إلى تفشي الفقر ونقص الغذاء والمياه الصالحة للشرب. ورغم صدور دعوات دولية متكررة لوقف إطلاق النار والتحقيق في الانتهاكات، فإن آليات المساءلة القانونية بقيت محدودة، ولم يتم حتى الآن تقديم المسؤولين عن هذه الانتهاكات إلى العدالة الدولية.
ثالثا- قتل الأطفال في المدارس وأزمة مجلس الأمن
من أكثر مظاهر الحروب الحديثة قسوة استهداف المدارس والمؤسسات التعليمية، وهي منشآت يفترض أن تكون محمية بموجب القانون الدولي الإنساني. فالقانون الدولي يفرض حماية خاصة للأطفال وللمؤسسات التعليمية باعتبارها أماكن مدنية بحتة.
وفي خضم التصعيد العسكري بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، تعرضت إحدى المدارس الدينية للبنات في مدينة ميناب جنوب إيران لقصف صاروخي أثناء اليوم الدراسي. وقع الهجوم في وقت كانت فيه الطالبات داخل الفصول الدراسية، ما أدى إلى انهيار أجزاء من المبنى فوقهن. وقد أسفر هذا القصف عن مقتل ما يقارب مئة وثمانين شخصاً، معظمهم من الطفلات اللواتي تتراوح أعمارهن بين سبع واثنتي عشرة سنة، إضافة إلى إصابة العشرات بجروح متفاوتة الخطورة. كما سجلت تقارير إنسانية مقتل عدد آخر من الأطفال في هجمات منفصلة استهدفت مدارس ومناطق مدنية خلال فترة التصعيد العسكري نفسها.
تمثل هذه الحوادث مثالا مأساويا على هشاشة الحماية التي يفترض أن يوفرها القانون الدولي للأطفال أثناء النزاعات المسلحة. فاستهداف المدارس أو وقوع الأطفال ضحايا للهجمات العسكرية يعد انتهاكا واضحا لقواعد القانون الدولي الإنساني.
غير أن المشكلة لا تقتصر على الانتهاكات نفسها، بل تمتد أيضاً إلى عجز النظام الدولي عن محاسبة مرتكبيها. فمجلس الأمن الدولي، الذي يفترض أن يكون الجهة المسؤولة عن حفظ السلم والأمن الدوليين، يعاني من شلل متكرر بسبب حق النقض أو “الفيتو” الذي تمتلكه الدول الخمس الدائمة العضوية.
وقد أدى استخدام الفيتو في عدد من الأزمات الدولية إلى تعطيل قرارات تهدف إلى وقف إطلاق النار أو فتح تحقيقات دولية مستقلة، وهو ما يعكس التناقض البنيوي في النظام الدولي: فبينما يقوم القانون الدولي على مبدأ المساواة بين الدول، يمنح النظام السياسي العالمي امتيازات خاصة للقوى الكبرى تسمح لها بتعطيل القرارات الدولية عندما تتعارض مع مصالحها.
تكشف التجارب المعاصرة، من الحرب على العراق إلى الدمار الهائل في غزة، ومن قصف المدارس وقتل الأطفال في إيران إلى عجز مجلس الأمن عن فرض قراراته، عن أزمة عميقة يعيشها النظام القانوني الدولي. فبينما تؤكد النصوص القانونية على حماية المدنيين وحظر استخدام القوة إلا في حالات محددة، يظهر الواقع أن هذه القواعد تصبح في كثير من الأحيان عاجزة أمام المصالح الاستراتيجية وموازين القوة العسكرية.
إن استمرار هذه الفجوة بين القانون والواقع يطرح سؤالا جوهريا حول مستقبل النظام الدولي: هل سيتمكن المجتمع الدولي من إصلاح مؤسساته وتعزيز آليات المساءلة، أم أن العالم يتجه نحو مرحلة يصبح فيها القانون الدولي مجرد إطار رمزي، بينما تُحسم القضايا الكبرى في ميادين الصراع وموازين القوة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير ملامح النظام العالمي في العقود القادمة، بين عالم تحكمه القواعد القانونية والمؤسسات الدولية، وعالم آخر تعود فيه العلاقات إلى منطق القوة وحده.
12 mars 2026 - 12:00
12 mars 2026 - 10:30
11 mars 2026 - 09:00
10 mars 2026 - 11:30
10 mars 2026 - 09:00
مواطن حمدي