مواطن
تم، بعد صلاة الظهر اليوم الأحد بالرباط، تشييع جثمان الراحل عبد الكبير العلوي المدغري المدير العام لوكالة بيت مال القدس الشريف ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية السابق، الذي وافته المنية أمس السبت.
العلوي المدغري، الذي ظل وزيرا للأوقاف والشؤون الإسلامية لمدة 19 سنة، لم يقم فقط بتحرير بيعة الملك محمد السادس وتجاوزها للطابع التقليدي لمثيلاتها، بل كان "عرّابا" حقيقيا لـ"إسلاميي المؤسسات"، فقد أشرف في الثمانينيات، من القرن الماضي، على "جامعة الصحوة الإسلامية"، بضوء أخضر من الحسن الثاني، من أجل إدماج جزء من الإسلاميين في المجال السياسي.
وقال بالخصوص عن هذه المرحلة، في حوار سابق مع "الجزيرة نت": "فعلا هذه الجامعة كنا نريدها منبرا جامعا لحوار حر نزيه لطيف إيجابي وبناء مع الجماعات الإسلامية كيفما كانت، معتدلة ومتطرفة رسمية أو غير رسمية، بل كان طموحنا أكبر، ففكرنا في دعوة رموز لجماعات إسلامية من الخارج، فجاء ممثلون عن الإخوان المسلمين، وجاء راشد الغنوشي عن تونس، ومحفوظ النحناح عن الجزائر، ونجم الدين أربكان عن تركيا، وعدد من الرموز والشخصيات".
وأضاف في الحوار ذاته "كان هناك شباب إسلامي واعد، وكنا نريد أن يكون هناك حوار بينه وبين العلماء، وبينه وبين الحكومة. وكنت قد اقترحت هذه الفكرة على الملك الراحل الحسن الثاني فاستحسنها، وتابع الجامعة وأشغالها". وتابع "لا أفشي سرا إن قلت الآن إنني كنت أبعث للملك الحسن الثاني كل مساء بشريط مسجل يتضمن وقائع اليوم وجلساته، وكان يشاهد الشريط، وانتهى به الأمر إلى استدعاء المشاركين وتنظيم حفل شاي على شرف المشاركين في قصره بالصخيرات وإلقاء خطاب، فكان هذا نوعا من اللقاء بعد الفراق والغياب، وكان لهذا اللقاء دور كبير في تبديد السحب بين الإسلاميين والحكم، وهذا في حد ذاته كان مكسبا مهما. ثم توالت الدورات بعد ذلك، وناقشت قضايا مهمة، وحرصنا على طبع جميع أعمال هذه الجامعة".
بعد وفاة الحسن الثاني، عمل الراحل على تقريب بعض المفكرين الإسلاميين من مربع السلطة، حيث كان صاحب فكرة دعوة أحمد الريسوني لإلقاء درس حسني أمام الملك محمد السادس. وكان من أوائل من تنبؤوا بوصول الإسلاميين إلى السلطة، من خلال كتابه "الحكومة الملتحية: دراسة نقدية مستقبلية".
وكانت دار الأمان بالرباط، قد أصدرت طبعة جديدة ومنقحة للكتاب، بعد نفاذ نسخ طبعتها الأولى، التي صدرت في العام 2006.
وقال الراحل، في معرض حديثة عن تطورات الساحة السياسية بعد فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة وتشكيله للحكومة، إن المواطنين صوتوا على حزب العدالة والتنمية "ليقدم البديل في برنامجه، ولم يصوتوا عليه ليتشبه بالأحزاب القائمة". وأضاف: "وصوتوا عليه ليتمكن من تشكيل حكومة تبرهن على قدرة النظام الإسلامي على إحداث التغيير، وتحقيق الإصلاح، وإنجاز النهضة الشاملة في جميع المجالات الاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، والمالية. بما يتضمنه ذلك النظام من قواعد ومبادئ وشروط وآليات وتقنيات، وبما يحدثه في الإنسان من تغيير، وتفجير لطاقة الخلق والإبداع فيه".
وقال المدغري في فقرات من الفصل الجديد من الكتاب: "وصوت المواطنون على حزب العدالة والتنمية ليضيف قيمة جديدة، ويغير المشهد السياسي المقرف الذي يئس المواطنون من بؤسه. ونحن نؤمن بأن النظام الملكي في المغرب قادر على استيعاب هذا التغيير، وأن الديمقراطية الراسخة في الملكية الدستورية كفيلة بتمكينهم من مقاليد حكومة تناوب إسلامية، شريطة الوضوح في المواقف، واحترام شروط النظام الديمقراطي، والإخلاص في بناء مجتمع حديث، متقدم، سمح، تتعايش فيه الثقافات، والحضارات، والتوجهات السياسية المختلفة في فضاء التعددية والمواطنة التي لا تعرف التمييز ولا الإقصاء".
وقال أيضا: "ما زال الأمل يحدونا في شباب الحزب، وهم والحمد لله من خيرة الشباب إيمانا وإخلاصا وثقافة ونباهة ووطنية، لنراهم وقد جددوا ثقتهم بنصر الله وعونه وتوفيقه لمن والاه، وشمروا عن ساعد الجد، واستخدموا العقل، واستعانوا بالعلم وتجارب الأمم الناجحة، واستلهموا من كتاب الله وسنة رسوله وتاريخ الإسلام وحضارته ما يعينهم على بلورة برنامج حقيقي، لتعبئة العباد في إصلاح البلاد وازدهارها ورقيها وعزتها وكرامتها، وكل ذلك في إطار المؤسسات الشرعية، والدستور، والملكية الدستورية، وبدون عنف ولا تشدد ولا إقصاء ولا احتكار للدين، ويومئذ تستحق الحكومة الملتحية أن تسود، وتستحق لحيتها أن تكون لحية محترمة بكل ما في الكلمة من معنى. لأنها حينئذ ستتحول إلى حكومة إسلامية، تسهر على تنفيذ برنامج الإسلام، ولا تكتفي بالمظهر الإسلامي وبرنامج الشعارات!!".
وكان الراحل قد كتب في مستهل كتابه "الحكومة الملتحية قادمة بفعل عوامل متعددة، وسوف تكون مقدمة لا أقل ولا أكثر لحكومة أخرى تأتي بعدها على إثر عقود من الزمن تسمى بحق "الحكومة الإسلامية". أما الحكومة الملتحية فلن يكون لها من الإسلام إلا الإسم، لأن الظروف التي تحيط بها لا تسمح لها بتطبيق شيئ من حكم الإسلام ونظامه، وأما الحكومة الإسلامية فسوف تكون ثمرة مخاض عسير، مخاض ثقافي ديني فكري سياسي اجتماعي واقتصادي". ويضيف "الذي نتوقعه إذا جاءت أية حكومة إسلامية عن طريق الانتخابات في ظل الظروف الراهنة أن لا يكون لها من الإسلام إلا اللحية وستعمل بالتشريع الوضعي، وستلعب لعبة الديمقراطية التي تجعل من البرلمان مجلسا تشريعيا، وستتعامل بالربا، وسوف تستخلص الضرائب من المحرمات كالخمور وغيرها، وسوف تمارس النفاق السياسي المكشوف وتسيء إلى الإسلام أكثر مما تحسن إليه، لأنها من جهة تعجلت الوصول إلى الحكم قبل أن تستكمل أدواته، ولأن الظروف والأوضاع الحالية لا تسمح لها من جهة أخرى بتطبيق أي برنامج إسلامي على فرض توفرها عليه".
رحم الله الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري، كأنه قرأ في فنجان حكومة عبد الإله بنكيران، قبل خمس سنوات من الانتخابات التي حملتها إلى المشاركة في تدبير الشأن العام.
22 janvier 2026 - 20:30
22 janvier 2026 - 12:40
21 janvier 2026 - 15:00
19 janvier 2026 - 20:00
19 janvier 2026 - 17:00