موسى متروف
كتاب "التصرفات النبوية السياسية: دراسة أصولية لتصرفات الرسول (ص) بالإمامة"، الصادر للدكتور سعدالدين العثماني، حديثا، عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ليس إلا استكمالا على النهج ذاته الذي سلكه منذ مدة، في التمييز بين التصرفات النبوية أو السنة المتعلقة بالحياة السياسية من جهة، وما يتعلق بالجانب الديني المحض، حتى وُصف بـ"أول العلمانيين الإسلاميين". ولذلك كان دائما "مزعجا" للأمين العام الحالي لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران، وهو ما قد يطمئن الدولة من جهة أخرى.
فقد أصدر العثماني كتيبا تحت عنوان "تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم بالإمامة: الدلالات المنهجية والتشريعية"، عن منشورات الزمن، سنة 2002، أي قبل 15 سنة، ليقدم أطروحته التي أصل فيها إلى نوع من "العلمنة" أو التمييز بين السياسة والدين، لكن بأدوات أصولية، وهو اختصاصه منذ تخرجه من دار الحديث الحسنية. وهو ما جرّ عليه كثيرا من الانتقاد، خصوصا في الشرق العربي، حيث كان هناك طغيان للتوجهين السلفي والإخواني.
"يصنف" الكتاب الجديد التصرفات النبوية "حسب المقام أو الحال اللذين صدرت فيهما عن الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم، والتمييز منها بين ما هو دين وتشريع دائم للمسلمين، وما ليس كذلك"، وحقّ لكاتبه أن يعتبر أن هذا التصنيف "كان من المفروض أن يحدث تغييرات جوهرية في بنية التعامل مع الأحاديث النبوية، ومع الأحكام الدينية، لكنه لم يحظ - مع الأسف - بالاهتمام اللازم مما أدى إلى اختلالات عديدة في فقه الدين والحياة".
وهو عندما ينظر في "طبيعة الممارسة السياسية للنبي الكريم، باعتبارها تدبيرا دنيويا مؤقتا، وعلاقتها بمقامي النبوة والرسالة، وانتهاء بالأسس التي على المسلمين أن يبنوا عليها حياتهم السياسية والتصورات التي من المنطقي أن يحملوها في موضوع طبيعة الدولة ووظائفها وطبيعة الممارسة السياسية عموما"، فهو لن يكون فقط "إسهاما منهجيا لتجلية آفاق التغيير الضروري"، بل هو رسالة أيضا لمن يهمّه الأمر، سواء في حزب العدالة والتنمية، أو ذراعه الدعوي "حركة الإصلاح والتوحيد"، وربما أيضا رسالة للدولة، وعلى رأسها الملك الذي هو أمير المؤمنين...
إذن فالكتاب لن يفاجئ متابعي المؤلف الذي نشر، قبل الانتخابات الأخيرة، سلسلة من المقالات تحت عنوان "الدولة المدنية في ظل مقاصد الشريعة الإسلامية" (في الموقع الإلكتروني لحركة التوحيد والإصلاح تحت عنوان جامع ودالّ وهو " السياسة من أمور الدنيا")، والتي صدرت مجموعة في كتاب يحمل العنوان ذاته، ما جعل الأستاذ الباحث في العلوم السياسية حسن طارق يصفه بوضوح بأنه "أول الإسلاميين العلمانيين"، وكيف لا والعثماني هو من كتب بأنه " يصلح التمييز بين المجالين الديني والدنيوي الوارد في النصوص الشرعية وفي كتابات العلماء والمنظرين المسلمين، أساسا للتمييز بين الديني والسياسي". هو سعي حثيث لرئيس الحكومة الحالي ومنذ زمن إلى "علمنة" حزبه أولا، وهو مابدأ يلاحَظ عمليا على خطاب "البيجيدي"، كم ذهب إلى ذلك الباحث حسن أوريد صاحب كتاب "مأزق الحركة الإسلامية". كما اعتبر في وقت سابق الباحث امحمد جبرون، الذي يتقاسم المرجعية والانتماء ذاتيهما مع العثماني، أن ما ينظّر له هذا الأخير إنما هو "علمانية بمفاهيم أصولية (أصول الدين)"...
ويقصد العثماني بالتصرفات النبوية بالإمامة "تصرفاته صلى الله عليه وسلم بوصفه إماما للمسلمين ورئيسا للدولة، يدير شؤونها بما يحقق المصالح ويدرأ المفاسد، ويتخذ الإجراءات والقرارات الضرورية لتحقيق المقاصد الشرعية في المجتمع ويسميها بعض العلماء تصرفات بالسياسة الشرعية أو بالإمارة"، وبالتالي "هي مقام غير مقام النبوة والرسالة والفتيا والقضاء..."، وهي تصرفات "تشريعية خاصة بزمانها وظروفها، ولذلك يعبر عنها ابن القيم بأنها "سياسة جزئية" بحسب المصلحة، وأنها مصلحة للأمة في ذلك الوقت، وذلك المكان، وعلى تلك الحال"، ليخلص إلى أن تصرفات الرسول بالإمامة ليست ملزمة لأي جهة تشريعية أو تنفيذية بعده، ولا يجوز الجمود عليها بحجة أنها "سنة". وإنما يجب على كل من تولى مسؤولية سياسية أن يتبعه صلى الله عليه وسلم في المنهج الذي هو بناء التصرفات السياسية على ما يحقق المصالح المشروعة.
يبقى أن صدور الكتاب في هذا الوقت بالذات، وبعدما آلت رئاسة الحكومة إلى العثماني، ليس "بريئا" في الظاهر، خصوصا مع قرب استحقاق انتخاب زعيم حزب إسلاميي المؤسسات في المؤتمر المقبل، ما يجعله مقبولا للجمع بين الرئاستين لأنه "يسوّق" فكرا غير رائج في زمن التطرف الديني ووجها "مستنيرا" و"علمانيا من داخل المنظومة"...
26 janvier 2026 - 14:00
26 janvier 2026 - 13:00
26 janvier 2026 - 11:00
24 janvier 2026 - 11:20
23 janvier 2026 - 22:00
20 janvier 2026 - 16:00