ي. ل.
ينطلق اليوم الجمعة المؤتمر الوطني العاشر لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ببوزنيقة، تحت شعار “هدفنا مغرب الديمقراطية والحداثة والتضامن”. هو مؤتمر يتجه لإعادة انتخاب ادريس لشكر كاتباً أولاً دون منافس يذكر.
لم يسبق هذا المؤتمر أي نقاش سياسي ملحوظ حول مقرراته التوجيهية، بقدر ما كان النقاش في أغلبه على الجانب التنظيمي، حيث طالب عشرة أعضاء من المكتب السياسي للحزب بضرورة تأجيله لما اعتبروه من اختلالات شابت عملية التحضير.
لكن الحزب لا يعيش هذه الانقسامات الداخلية لأول مرة، بقدر ما عايشها وتأقلم معها، وفي كثير من الأحيان يمضي قدماً ولا يعالج مشاكله الداخلية التي غالباً ما تخرج إلى خارج مقر شارع العرعار لتصبح مشاريع أحزاب، فحزب الوردة الذي تعود جذوره لحزب الاستقلال طبعت الانقسامات تاريخه الطويل.
حزب من رحم الانقسامات
ارتبط اسم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بالانقسامات المستمرة التي طبعت أولى الساحة الحزبية المغربية في مراحلها الأولى، إذ تعود جذور حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إلى أواخر خمسينيات القرن الماضي، بعدما خرج حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية عام 1959 من صلب حزب الاستقلال.
لكن هذا الاتحاد الوطني لم يلبث حتى غير اسمه عام 1975 في المؤتمر الاستثنائي من "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" إلى "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية"، وانتخب عبد الرحيم بوعبيد أميناً عاماً، ليتموقع بذلك في التوجه الاشتراكي اليساري.
كان الحزب في سنوات الثمانيات والتسعينيات على لسان الجميع، فقد جرب المعارضة وتدبير الشأن العام في وقت مبكر، ما أهله لبناء قاعدة انتخابية من الأهمية بمكان، وكان يلعب دوراً كبيراً في تأطير المجتمع، لكن توارى أثره في العشر سنوات الأخيرة.
مؤتمرات الصراع والتوتر
وبالعودة إلى المؤتمرات السابقة، من المؤتمر الاستثنائي لسنة 1975، والمؤتمر الوطني الثالث لسنة 1978، والمؤتمر الوطني الرابع المنعقد في 1984، والخامس سنة 1989، والسادس 2001، والسابع سنة 2005 ، ثم الثامن 2008 والتاسع سنة 2012، كان الكل ينتظر نقل الحزب إلى مرحلة أخرى، لكن في كل مرة تظهر مؤشرات أزمة تنظيمية داخلية.
الأزمة التنظيمية كانت تطبع أغلب مؤتمرات حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ففي كل مؤتمر ينحسب أعضاء، أو يقاطع آخرون، وفي أحايين كثيرة يغيرون الوجهة ويؤسسون تياراً أو حزباً سياسياً، كما حصل مع عبد الرحمن بنعمرو وأحمد بنجلون اللذين أسسا حزب الطليعة الديمقراطية الاشتراكي.
الحزب لم يسلم في مسيرته من مرض الانقسام، فخلال المؤتمر السادس سنة 2001، انسحبت مجموعة أخرى شكلت تيار الوفاء للديمقراطية، لتُقرر فيما بعد ذلك تأسيس الحزب الاشتراكي الموحد، وشكلت مجموعة أخرى الحزب الاشتراكي، ومجموعة ثالثة الحزب العمالي، ليعودا 2013 إلى الحزب الذي انشقوا منه.
ولاية لشكر الصعبة
خلال الولاية المنتهية، من 2012 إلى 2017، التي قادها ادريس لشكر، عاش الحزب سنوات صعبة في مساره السياسي والتنظيمي، فعلى مستوى السياسي تراجع وزنه الانتخابي في الاستحقاقات التي جرت سنة 2015 و2016.
يتعلق الأمر بالانتخابات الجماعية والجهوية التي تظهر مدى تموقع الحزب محلياً، والانتخابات البرلمانية التي لها بعد سياسي كبير، لكن الحزب حصل نتائج ضعيفة متمثلة في 20 مقعداً برلمانياً فقط، من أصل 395 التي يتكون منها مجلس النواب.
تراجع كبير سجله الحزب على المستوى الجماعات في المدن والجهات، بعدما كان حاضراً بقوة قبل سنوات مضت في الحواضر كما في الجماعات القروية البعيدة، شأنه في ذلك شأن أغلب الأحزاب الأخرى، ليحل محله حزب العدالة والتنمية كحزب تؤمن به الطبقة المتوسطة وبوأته مراتبة أولى الحواضر الكبرى التي كانت اتحادية.
موازاة مع ذلك، شكلت مغادرة رموز كثيرة لحزب الاتحاد الاشتراكي أحد أبرز النقط السوداء في ولاية لشكر، فقد غادره برلمانيون ووزراء سابقون وقياديون من مختلف المشارف، فيما فضلوا أخذ مسافة كافية عما يعيشه من مد وجزر على المستوى السياسي والتنظيمي، دون الحسم في المغادرة بشكل نهائي.
مهمة لشكر السهلة
الذين تعاقبوا في قيادة الحزب في الولايات الأخيرة أمضوا ولاية واحدة فقط، حيث تولى محمد اليازغي رئاسة الحزب سنة 2005 بعد عبد الرحمن اليوسفي، وترأسه سنة 2008 عبد الواحد الراضي، لكن لشكر يتجه لكسر القاعدة، وسيقود الحزب لولاية ثانية، رغم “الإخفاقات” التي راكم الحزب في الولاية الأخيرة.
وخلال السنوات الأربعة الماضية، عرف الحزب جدلاً كبيراً، خصوصاً في فريقه النيابي، نتج عنه ظهور تيار باسم "الانفتاح والديمقراطية" كان يتزعمه الراحل أحمد الزايدي، الذي كان رئيس الفريق في مجلس النواب، لكن الزيدي لقي حتفه غرقاً بسيارته سنة 2014، ولم يفلح رفاقه الذين كانوا ضده في تحقيق فكرة تأسيس حزب (البديل الديمقراطي).
الخلاف حاد هذه المرة، 10 أعضاء من المكتب السياسي يطالبون لشكر بتأجيل المؤتمر، لكنهم لم يقدموا أي مرشح منافس لادريس لشكر، لكن مطلبهم لم يلقى آذاناً صاغية، إذ أن المؤتمر ينطلق اليوم الجمعة ببوزنيقة ويستمر إلى غاية الأحد.
ستكون مهمة لشكر سهلة للغاية، فهو مرشح وحيد لقيادة حزب الوردة لأربع سنوات أخرى، فمساء غد السبت لن يحتاج المؤتمرون للحسم، فلشكر أصبح زعيماً من جديد دون منافسة.
مقرر توجيهي يسائل التموقع
سيناقش المؤتمرون مقرراً توجيهياً، يسائل أسباب تخلي الطبقة المتوسطة عن الحزب وعن المشروع الاتحادي، على الرغم من أنه “كان حاملاً لمشروع التغيير والمرافعة عن قيم الحداثة والتنوير”، وما الأسباب التي جعلت هذه الطبقة تحول تموقعها السياسي إلى جانب الأحزاب المحافظة (حزب العدالة والتنمية).
كما يطرح المقرر تقييم تجربة حكومة التناوب التوافقي، ومرحلة المعارضة البرلمانية، والمعايير الجديدة بشأن التحالفات، والأداء الانتخابي وعلاقته بوضعية الحزب وموقعه داخل المؤسسات التمثيلية، وخاصة بعد الاستحقاقات التشريعية لسنة 2016.
هذه النقطة من الأهمية بمكان، فقد حصد الحزب في الانتخابات البرلمانية الأخيرة نتائج ضعيفة، ويدعو المقرر التوجيهي في هذا الصدد إلى “إعادة النظر جذرياً في المنظومة الانتخابية والحرص على مبدأ التكافؤ في التنافس الانتخابي ومسؤولية الدولة لإبعاد الاستحقاقات عن استعمال المال والدين”.
ويعترف المقرر التوجيهي أن “الحزب كان جماهيرياً عندما كان على يسار الدولة”، ويُضيف: “لكن إدارتنا للشأن العام لمدة 13 سنة وتلاشي علاقاتنا المجتمعية وفقدان قلاعنا الانتخابية وظاهرة اللجوء إلى العمل في المجتمع المدني أصبح تلزمنا الآن باستمرار الوقوف إلى جانب يسار المجتمع وعدم الاكتفاء بالوقوف معه”.
تموقع أكثر شمولية
في مقال نشرته جريدة الاتحاد الاشتراكي، قال طارق المالكي، أستاذ باحث ضمن مجموعة المعهد العالي للتجارة وإدارة المقاولات وعضو بالإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية، إنه يتعين على الحزب أن “يتجاوز الإطار الضيق للاشتراكية والتموقع السياسي بشكل أكثر شمولية كحركة تقدمية”.
وأشار، في مقال له حول رهانات المؤتمر العاشر للحزب، أنه من أجل ذلك “يتعين القطع مع أنماط التنظيم الكلاسيكية التي لم تعد تتلاءم تماماً مع السياق السياسي الجديد والتطلعات الجديدة للمواطنين، والانخراط في ديناميكية جهوية”.
كما يؤكد على ضرورة “تنبني مسطرة انتقاء انتخاب أعضاء الحزب وفق معايير مرتبطة بالاستحقاق والالتزام والكفاءة وليس كما كان سائداً في السابق حسب الأقدمية. كما يدعو لمأسسة تجربة “حكومة ظل“ كما هو موجود في العديد من الديمقراطيات الأوروبية، لتهيئ الحزب لتدبير الشأن العام على أساس مقاربة منصب/كفاءة.
الجانب التنظيمي سيكون حاضراً في المؤتمر، حيث سيتم إحداث هياكل جديدة، منها الكتابة الوطنية والمجلس الوطني، وسيتم الاحتفاظ بالمكتب السياسي، لكن صلاحيات جديدة ستؤول للكاتب الأول فيما يخص التعيين قد تجر عليه غضب الاتحاديين.
الحزب وحكومة العثماني
يشارك حزب الاتحاد الاشتراكي اليوم في حكومة سعد الدين العثماني، عن حزب العدالة والتنمية ذو المرجعية الإسلامية. وأمامه رهان كبير، فمن جهة محاولة إبراز بصمته على عمل الحكومة (لديه ثلاث وزراء)، ومن جهة أخرى تجاوز عقبة الهيكلة والتنظيم الداخلي.
لكن سيبقى الجدل دائماً حول قيادة ادريس لشكر للحزب لولاية ثانية، فقد حصد أعداء ومنتقدين كثر من داخل الحزب وخارجه، وسيكون في مرمى نيران الغاضبين طيلة السنوات الأربع المقبلة، لا سواء من الناحية التنظيمية الحزبية ولا سواء بخصوص مشاركته في تدبير الشأن العام.
هل ستكون مشاركة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في حكومة ائتلافية تضم 6 أحزاب، غير متجانسة أيديولجياً ولا برنامجياً، كافية لترميم صورته لدى الرأي العام؟ وهل ستكون له بصمة داخل حكومة العدالة والتنمية بوزارات بسيطة؟ ذلك ما ستجيب عن السنوات المقبلة بعد مؤتمر بوزنيقة.
26 janvier 2026 - 14:00
26 janvier 2026 - 13:00
26 janvier 2026 - 11:00
24 janvier 2026 - 11:20
23 janvier 2026 - 22:00
20 janvier 2026 - 16:00