عبد القادر الفطواكي
لم يعد المغاربة مضطرين لانتظار رمضان لاكتشاف عمل كوميدي جديد، ولا لمتابعة تلك السلسلات التي يعتقد صُنّاعها أنها ستعيد الضحك إلى البيوت. فالعرض الحقيقي يُبثّ منذ سنوات مباشرة من تحت قبة البرلمان. يكفي أن تقلب القناة نحو جلسة الأسئلة الشفوية، لتجد نفسك أمام “سيتكوم سياسي” مكتمل العناصر: بلا ديكور ولا سيناريو، وبفنّ أداء يقدّمه نواب الأمة بمهارة لا يُدَرَّسها أي معهد للفنون الدرامية.
آخر حلقة كانت مثالا واضحا وملموسا عن هذا العبث الذي أصبح يعيشه البرلمان بغرفتيه. سؤال تقني حول قانون العدول - يُفترض أن يفتح نقاشاً قانونياً رزيناً - سرعان ما انقلب إلى عرض من “الكوميديا السوداء”. النائبة هند الرطل بناني أدّت دورها الطبيعي في المساءلة، لكن وزير العدل فضّل الخروج عن النص، ليطلق عبارته التي دوّت في القاعة: “هذا بيان مجلس الثورة”. فجأة صار المشهد أقرب إلى تعليقات مباراة كرة قدم منه إلى جواب حكومي مسؤول تبعثرت معه الجدية وتحول الملف القانوني إلى “كلاش سياسي” على المباشر.
تدخل النائب عبد الصمد حيكر عبر نقطة نظام، في محاولة لإعادة النقاش إلى مساره، لكن رئيس الجلسة اختار أن يتحول إلى “مخرج فرجة”: تهديد بالطرد، أوامر للأعوان، وتعامل مع نقطة النظام كما لو كانت فعلاً جرمياً، قبل أن يفاجئ الجميع بجملة صارت “ترنداً” في حد ذاتها: “الماركسيون على سنة الله ورسوله”. عبارة أقرب إلى نصّ ساخر منها إلى كلام يُفترض أن يصدر عن رئاسة جلسة تشريعية.
وما إن رُفعت الجلسة حتى انفتحت حلقة جديدة: صراخ في الأروقة، ملاسنات، تدافع، ووزير يُسحب من ذراعه بيد وزير آخر، لقطة واحدة تكفي لفهم حجم الانحدار الذي وصل إليه الوقار المؤسساتي. ولو بثّتها أي قناة كمشهد من إحدى مسلسلتها لحققت أرقام مشاهدة قياسية، مصحوبة بطوفان من “الميمات”، لكنها لم تكن مع كامل الأسف تمثيلاً… بل واقعا مؤلما للغاية.
الخسارة هذه المرة ليست شكلية، فالحكومة فقدت رباطة جأشها، والمعارضة خسرت تماسكها، والبرلمان بدوره فقد ما تبقى من الهيبة التي كانت غطاءه الأخير. وحده المواطن حصل على “الفرجة” كاملة، لكنه ظل ينتظر الأجوبة الحقيقية حول قضاياه العلقة… ولم يحصل عليها.
ومع بروز جيل جديد من النواب، بدا واضحا أن البرلمان لم يعد فقط فضاءً للتشريع، فقد صار منصة بحث عن النجومية السياسية، لقطات للترند، تصريحات مدروسة للانتشار، وميكروفون يتحوّل إلى أداة لصناعة الضجيج بدل صناعة المعنى. مشاهد تُشبه حملة انتخابية مستمرة، لكنها بلا مضمون وبدون برنامج.
حتى بعض الوزراء تحوّلوا إلى لاعبين في هذا العرض: ردود ساخرة، انفعالات مبالغ فيها، وسلوك أقرب إلى مشاركي برامج “الكلاش السياسي” منه إلى ممثلي السلطة التنفيذية.
هكذا تحوّلت المؤسسة التي أُنشئت لسنّ القوانين ومراقبة الحكومة إلى سيرك سياسي مفتوح. دراما. كوميديا. صراخ لا يستند إلى منطق أو مسؤولية. “سيتكوم بتمويل عمومي” يُعرض أسبوعيا، وبلا توقف.
قد يقول البعض إنها دينامية سياسية جديدة، لكن الحقيقة أن الدينامية التي يحتاجها المغرب هي تلك التي فقدناها وسط هذا الضجيج والتي تنبني على المساءلة الجادة، الإصلاح الهادئ، واحترام ذكاء المواطن. وكل ذلك ضاع وسط زحام الكلمات وولائم الضحك غير المبرر.
في النهاية، إذا كان المغاربة يبحثون عن العمل الأكثر مشاهدة… فهم لن يجدوه في التلفزيون، بل هو متوفر ومضمون في البث المباشر من تحت قبة البرلمان، ومن المفارقات المؤلمة أن الفرجة مستمرة… والقضايا الحقيقية للمواطن ظلت مؤجلة حتى موسم ترشريعي آخر.
12 janvier 2026 - 16:00
06 janvier 2026 - 18:00
16 décembre 2025 - 14:00
06 décembre 2025 - 20:00
18 novembre 2025 - 14:00
12 janvier 2026 - 10:00