خالد الرزاوي
رغم التطمينات الصادرة عن مصادر مغربية "غير رسمية"، بأن اتخاذ قرار تأجيل مناقشة انضمام المملكة إلى المجموعة الاقتصادية لبلدان غرب إفريقيا المعروفة اختصارا باسم "سيدياو"، خلال قمة رؤساء هذا التجمع الـ52، التي انعقدت أول أمس السبت بالعاصمة النيجيرية أبوجا، تم بعد مشاورات ثنائية بين لجنة "سيدياو" من جهة والطرف المغربي من جهة ثانية، بسبب ما قيل أنها "مشاكل تقنية لا غير"، إلا أن ذلك لم يمنع من أن تطفو على السطح من جديد تخوفات بشأن الصعوبات التي قد يواجهها المغرب من أجل الحصول على صفة عضو داخل هذه المجموعة الاقتصادية.
تفاصيل جديدة تفسر عدم حضور الملك
إذا ما وثقنا في تفاصيل جديدة أوردتها مجلة "جون أفريك" العالمة بخبايا القارة الإفريقية، فإن الرئيس الطوغولي فور گناسينغبي، الرئيس الحالي للمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، والذي كانت بلده تستعد لاستقبال أشغال القمة 52 لرؤساء هذه البلدان قبل أن تتحول إلى أبوجا النيجيرية بسبب أوضاع سياسية، سبق له قبل أسابيع أن تحدث على أنه سيكون من الصعب مناقشة انضمام المغرب إلى هذا التكتل الاقتصادي خلال القمة الحالية، ذلك أن الدول الأعضاء لم تتوصل بنتائج الدراسة المنجزة لتقييم أثر انضمام المغرب على الجانبين في الوقت المناسب، وهو ما يعني بأن قرار قبول انضمام المغرب إلى "سيدياو" سيتأجل على ما يبدو إلى مطلع العام المقبل.
ومن أجل ذلك راسل الرئيس الطوغولي الملك محمد السادس في التاسع من دجنبر الحالي، ليشرح له هذا الإكراه التقني. ومباشرة بعد ذلك، أي يوما واحدا بعد ذلك، أرسل العاهل المغربي، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي ناصر بوريطة في مهمة سرية إلى لومي عاصمة الطوغو للقاء الرئيس فور گناسينغبي، حيث تلقى تأكيدا على أن هذه الإكراهات لن تؤثر بأي حال من الأحوال على الاحترام والمشاعر الخاصة التي يكنها رؤساء بلدان غرب إفريقيا تجاه العاهل المغربي.
هذه الرسالة استقبلت بتفهم كبير من الجانب المغربي، والذي قرر بالموازاة مع إلغاء الملك محمد السادس مشاركته في أشغال القمة بأبوجا، الحرص على الإبقاء على تمثيليته التقنية في أشغال القمة، ذلك أن المغرب اختار أن يتعامل في الآونة الأخيرة بنوع من الليونة مع مواقف مماثلة عندما يلمس بأن تعنته قد يشكل إحراجا لأصدقائه داخل القارة، وهو ما لمسناه من خلال قبول العاهل المغربي المشاركة في قمة الاتحاد الإفريقي- الاتحاد الأوروبي بأبيدجان في متم نونبر الماضي، رغم علمه بحضور ممثلين عن جبهة "البوليساريو".
انضمام تدريجي
في جواب لها على سؤال شفوي بمجلس النواب خلال جلسة سابقة، قدمت مونية بوستة كاتبة الدولة لدى وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي، لمحة عن المراحل التي سيقطعها برنامج انضمام المغرب إلى هذا التكتل الإقليمي، مشيرة إلى أن المغرب ارتأى أن تكون عملية انضمامه إلى المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا وفق مسار تسلسلي وتدريجي.
وهكذا فإن تفعيل هذا الانضمام سيمر عبر ثلاث مراحل أساسية: سياسية وقانونية وتقنية. أما الجانب السياسي فإن مرحلته تمت بنجاح بعد أن أعطى رؤساء دول وحكومات البلدان الأعضاء بالمجموعة موافقتهم المبدئية لطلب الانضمام الذي تقدم به المغرب خلال قمة مونروفيا بليبيريا في يونيو الماضي بعد الطلب الذي تقدم به المغرب في فبراير من العام الحالي.
في المرحلة الثانية المرتبطة بالجانب القانوني، فإن الأمر يتعلق بإتمام الإجراءات القانونية للانضمام الفعلي للمجموعة. أما فيما يتعلق بالمرحلة التقنية، فهي تأتي في المقام الأخير، مادام أن المغرب سينتظر الحصول على الموافقة النهائية، التي كان من المفروض مناقشتها خلال قمة اليوم بنيجيريا، من أجلت إطلاق مفاوضات قطاعية بين المملكة والمنظمة، ستواكبها بلا شك دراسات قطاعية لتقييم أثر انضمام المغرب إلى المجموعة على مختلف القطاعات.
هذا الطرح يميط اللثام، على ما يبدو، على العديد من النقاط التي ظلت محط تساؤلات عديدة لدى المراقبين، الذين أبدوا شكوكهم حول إمكانية انفتاح المغرب حول حرية حركة الأشخاص ورؤوس الأموال مع مجموعة يتشكل تعداد سكانها من حوالي 300 مليون نسمة. وقد سارت الشكوك في اتجاه اعتبار اتخاذ المغرب لهذه الخطوة، أمرا غير محسوب، في ظل الانتقادات التي بات يتلقاها من كونه أصبح بلد عبور بالنسبة للعديد من المرشحين للهجرة غير الشرعية لعدد كبير من المواطنين الأفارقة جنوب الصحراء.
ذلك أن دخول المغرب فيما بعد في مفاوضات تقنية مع لجنة "سيدياو"، سيتيح للمملكة مناقشة شروط هذا الانفتاح، وما يقتضيه كذلك من اندماجه الكلي في اتحاد جمركي موحد، الذي يعرف بدوره تأخرا كبيرا، شأنه في ذلك شأن إشكالية العملة الموحدة التي لم تر النور بعد.

حذر في الجانب الآخر
خلال قمة مونروفيا في يونيو الماضي، أي من زعماء البلدان المشكلة لهذه المجموعة الاقتصادية، لم يعترض على طلب انضمام المغرب، بل إن منهم من اعتبر بأن الخطوة ستشكل ثورة داخل التجمع الطامح لتعزيز حضوره ليس فقط على الصعيد الإقليمي بل أيضا على المستوى الدولي. غير أن أصواتا محافظة داخل "سيدياو" سرعان ما صدحت، محذرة من مغبة الإقدام على خطوة غير محسوبة العواقب، فكان أن طلب زعماء بلدان التجمع إنجاز دراسة لتقييم أثر هذا الانضمام على الجانبين قبل اتخاذ القرار.
ومن بين الأصوات التي تعالت نجد بعضها داخل الجبهة الداخلية لنيجيريا، التي ما زالت من المؤيدين لجبهة "البوليساريو" داخل أروقة الاتحاد الإفريقي، رغم التقارب الحاصل بين الملك محمد السادس والرئيس محمد بوهاري، إذ أن العاهل المغرب لا يتوان في الاتصال دوما بالرئيس النيجيري للاطمئنان على صحته، في المقابل لا يخفي بوهاري دعمه الكامل لقرار انضمام المغرب إلى "سيدياو"، لكنه لا يبدو بأنه قد يكونا قادرا على الوقوف في وجه الآلة السياسية والديبلوماسية النيجيرية المعروفة تاريخيا بعدائها لقضية الوحدة الترابية للمغرب.
في هذا الصدد يعتبر مدير أعمال نادي إفريقيا للاقتصاد الألماني الخبير كريستوف كانينغيسر، في تصريحات لوسائل إعلام ألمانية، بأن نيجيريا العضو الأقوى اقتصادياً في مجموعة "سيدياو"، تعارض انضمام المغرب، والعديد من المجموعات تنصحها بالتصدي لانضمام المغرب. وتشكل نيجيريا حاليا أكثر من ثلثي القوة الاقتصادية للمجموعة. وسيكون المغرب اقتصاديا ثاني أقوى بلد في حال انضمامه، ومن هنا تتخوف نيجيريا على موقفها باعتبارها المهيمنة على المجموعة.
من جانبه يقول ادريس لكريني أستاذ العلاقات الدولية بكلية الحقوق بمراكش، بأن المغرب سيواجه صعوبات من أجل إتمام انضمامه إلى التجمع ترتبط أساسا بالضغوطات الممارسة من بعض القوى الإقليمية الراغبة في الزعامة الإقليمية.
كما أن التحديات الاقتصادية التي ستواجه المغرب، تتعلق أساسا بالترتيبات التي تلي الانضمام، خصوصا إذا ما علمنا بأن هذا التكتل يسعى لتحقيق التكامل الاقتصادي وتحرير التجارة وإلغاء القيود الجمركية وتشجيع الاستثمار وتوحيد العملة، وما يفرضه ذلك من متابعة ومواكبة.
وعلى كل حال فإن المغرب لا يبدو بأنه ينتظر أن يفشل في الانضمام إلى هذا التكتل الإقليمي، على اعتبار أنه يتوفر على أصدقاء كثر داخل "سيدياو"، كما أنه يعتبر بأن استراتيجيته القائمة على تكثيف تعاونه مع عمقه الإفريقي، لا يمكن إلا أن تنجح رغم كل العراقيل الموضوعة في طريقه نحو هدفه المنشود: تعزيز حضوره الاقتصادي بإفريقيا لدفع أعداءه داخل القارة إلى تغيير مواقفهم السياسية حيال قضية وحدته الترابية.
12 janvier 2026 - 09:00
11 janvier 2026 - 14:00
10 janvier 2026 - 20:00
08 janvier 2026 - 11:00
08 janvier 2026 - 09:00
09 janvier 2026 - 15:00
12 janvier 2026 - 10:00