يقلم : الدكتور عمر لمغيبشي
يعد الزمن أحد أكثر المفاهيم تعقيدا في الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية، لأنه لا يختزل في كونه أداة لقياس مرور الأيام، بل يتجاوز ذلك ليصبح إطارا لفهم علاقة المجتمعات بذاتها وبمحيطها وبماضيها. وقد نبه عدد من المؤرخين، من بينهم مارك بلوخ وفرناند بروديل، إلى أن كل مجتمع ينتج تمثله الخاص للزمن، وفق بنياته الاقتصادية والاجتماعية والرمزية.
ومن هذا المنطلق، فإن النقاش حول ما يُعرف اليوم بـالسنة الأمازيغية لا يمكن أن يفهم خارج هذا الإطار الإبستيمولوجي. فالإشكال لا يتعلق بوجود ممارسة احتفالية موسمية من عدمها، وإنما يتعلق بكيفية انتقال هذه الممارسة من مستوى العيش اليومي المرتبط بالطبيعة إلى مستوى التقنين الرمزي والتأريخ العددي، وما يترتب عن هذا الانتقال من تحولات في الدلالة والمعنى.
إن المؤرخ، كما يوضح بول فاين، ولا ينطلق من الدفاع عن الهوية لا من نفيها، بل من مساءلة الأثر، والوثيقة، والسياق، ومن التفريق بين ما عاشه الناس فعليا، وما أعيد بناؤه لاحقا في الذاكرة الجماعية. ومن هنا تأتي ضرورة تفكيك موضوع التقويم الفلاحي في شمال إفريقيا ضمن مساره التاريخي الطويل، قبل الانتقال إلى تحليل لحظة تشكل ما يسمى بالسنة الأمازيغية بصيغتها المعاصرة.
أولًا: التقويم الفلاحي في المغرب الكبير بين الطبيعة والتنظيم الاجتماعي
تجمع الكتابات الأنثروبولوجية والتاريخية التي تناولت مجتمعات المغارب، خاصة القروية منها، على أن الزمن، في هذه المجتمعات، كان زمنا بيئيا بالأساس، مرتبطا بالدورة الطبيعية للفصول وبإيقاع الأرض. فقد أشار جاك بيرك، في تحليله للمجتمع القروي المغربي، إلى أن الفلاح لم يكن في حاجة إلى تقويم عددي، لأن الزمن كان يقرأ في السماء والتربة أكثر مما يقرأ في الوثائق.
ويذهب إرنست غلنر، في دراسته للبنيات الاجتماعية بالمغرب، إلى أن المجتمعات الزراعية التقليدية اعتمدت ما يسميه "الزمن الدوري"، حيث تتكرر الأحداث نفسها كل عام دون حاجة إلى نقطة تأسيس تاريخية بعيدة. فالحرث، والبذر، والحصاد، والجفاف، والمطر، هي وحدات الزمن الفعلية، لا السنوات المرقمة.
وفي السياق نفسه، تظهر أعمال الأنثروبولوجي دافيد هارت حول قبائل الأطلس المتوسط أن أسماء الشهور المتداولة محليا كانت مرتبطة أساسا بالأنشطة الزراعية أو بالظواهر المناخية، لا بأحداث سياسية أو شخصيات تاريخية. وهو ما ينسجم مع ما سجله حسن الوزان (ليون الإفريقي) في وصفه لعادات سكان شمال إفريقيا في القرن السادس عشر ومعه مرمول كربخال والعديد من الرحالة والمغامرين الأجانب، حيث لم يشيروا إلى أي تقويم محلي مستقل، بل أشاروا عرضا إلى اعتماد التقويم الهجري في المعاملات الرسمية، والتقويم الفلاحي في الحياة اليومية.
كما تؤكد المصادر التاريخية الوسيطة، من ابن خلدون إلى الناصري، أن المجتمع المغربي عرف تعددية زمنية وظيفية: زمن ديني تنظمه العبادات والشعائر، وزمن إداري مرتبط بالمخزن، وزمن فلاحي تحكمه الطبيعة. وهذه التعددية لم تكن مصدر تناقض، بل كانت تعبيرا عن مرونة اجتماعية عميقة. أما الجماعات اليهودية المغربية، فقد بينت دراسات التاريخ الاجتماعي، مثل أعمال ميشيل أبرافام وليون بنزاقين وحاييم الزعفراني وإيسخار بن عمي، أنها كانت مندمجة في محيطها المحلي، وتشارك جيرانها المسلمين نفس الإيقاع الفلاحي، مع احتفاظها بتقويمها الديني الخاص. وهو ما يؤكد أن السنة الفلاحية لم تكن مرتبطة بعرق أو لغة، بل بوظيفة اقتصادية واجتماعية جامعة.
ويعد ينّاير، في هذا السياق، لحظة مركزية في السنة الفلاحية، إذ يرمز إلى نهاية مرحلة وبداية أخرى، ويقع في فترة مناخية حرجة تتزامن مع ذروة الشتاء ونفاد المؤونة المخزنة، المعروفة محليًا بـالعولة. وقد أبرز بول باسكون أن الطقوس المرتبطة بينّاير، بما تحمله من مظاهر التفاؤل والتشارك الغذائي، تؤدي وظيفة اجتماعية تتمثل في إعادة إنتاج التضامن الجماعي في لحظة هشاشة اقتصادية.
ولا ينفصل هذا البعد الوظيفي عن البعد الرمزي، إذ تحتفظ الذاكرة الشعبية بعدد من الأساطير المرتبطة بينّاير، من أشهرها أسطورة "العجوز"، التي تجسد تصوا أخلاقا للطبيعة بوصفها قوة لا تستفز ولا تُتحدى. ويمكن إدراج هذه الأساطير ضمن ما سماه أرنولد فان جينيب بـالزمن الطقوسي، حيث تشكل الطقوس لحظات عبور بين وضعيات زمنية واجتماعية مختلفة.
أما على مستوى التدوين الوسيط، فتعد الإشارات الأندلسية أولى الشواهد النصية الصريحة حول يناير. ويبرز هنا ديوان ابن قزمان القرطبي، الذي ورد فيه ذكر يناير في سياق وصف الأسواق والاحتفالات الشعبية بقرطبة في القرن السادس الهجري، مع الإشارة إلى منتجات قادمة من بلاد المغرب. وتكتسب هذه النصوص أهمية خاصة، لأنها تؤكد الامتداد المغاربي لهذه الطقوس، واستمرارية تقاليد فلاحية مشتركة عبر الضفتين.
وفي المقابل، عبر أبو بكر الطرطوشي عن موقف فقهي ناقد للاحتفال بيناير، واعتبره من البدع، في إطار ما يمكن أن نسميه بالرؤية المعيارية للأزمنة المشروعة دينيا. ويعكس هذا التباين بين خطاب الشاعر وخطاب الفقيه توترا بنيويا بين الزمن الشعبي والزمن الديني، وهو توتر رافق المجتمعات الإسلامية الوسيطة دون أن يؤدي إلى قطيعة ثقافية.
ومن هنا، يمكن القول إن ما اصطلح عليه اليوم بالسنة الأمازيغية كان، تاريخيا، سنة فلاحية مغاربية مشتركة، لا تحمل أي دلالة إثنية أو سياسية، بل تجسد علاقة الإنسان بالأرض وبالزمن الطبيعي.
ثانيا: من الممارسة الشعبية إلى التقويم العددي: اعادة بناء الزمن الأمازيغي
عرف ينّاير، ابتداء من النصف الثاني من القرن العشرين، تحولا نوعيا في دلالته، حين انتقل من كونه تقليدا فلاحيا محليا كما سبق القول إلى رمز هوياتي ذي طابع تقويمي. ففي سياق البحث عن مرجعيات ثقافية جامعة، اقترح عمار نݣادي سنة 1980 تقويما أمازيغيا حديثا، يجعل من 13 يناير الميلادي بداية للسنة الجديدة، ويعتمد حدث اعتلاء شيشنق الأول عرش مصر نقطة انطلاق زمنية.
والملاحظ أن هذا -نقصد الانتقال من الممارسة الفلاحية إلى التقويم العددي- شكل لحظة قطيعة معرفية، لا يمكن فهمها إلا في سياق الحداثة الثقافية. فالتقويم العددي، كما يوضح بندكت أندرسون في كتابه "الجماعات المتخيلة"، هو أداة من أدوات بناء الوعي الجمعي الحديث، حيث تستعمل الأرقام والتواريخ لإنتاج شعور بالاستمرارية التاريخية. غير أن هذا البناء الرمزي يصبح إشكاليا حين يقدم بوصفه حقيقة تاريخية موثقة. فربط بداية السنة بما ينسب إلى اعتلاء شيشنق الأول عرش مصر حوالي سنة 950 قبل الميلاد لا يستند إلى أي مصدر تاريخي معاصر للحدث، ولا إلى أي تقليد محلي في شمال إفريقيا. ذلك أن دراسات علم المصريات، كما عند نيكولا غريمال وكينيث كيتشن، تؤكد أن شيشنق كان ملكا مصريا حكم ضمن النسق الديني والسياسي المصري، وأن شرعيته كانت فرعونية خالصة -مع تحفظنا على لفظة فرعون-، ولم يكن ممثلا لكيان سياسي مغاربي مستقل. كما أن مصر نفسها لم تعتمد بداية حكمه كنقطة تأسيس لتقويم جديد، مما يجعل تحويل هذا الحدث إلى مرجعية زمنية مغاربية أمرا يفتقر إلى المنطق التاريخي.
أما المصادر الإغريقية والرومانية، التي تناولت سكان ليبيا القديمة، مثل هيرودوت وسترابون، فقد تحدثت عن أنماط العيش والتنظيم القبلي، دون الإشارة إلى أي تقويم مستقل أو إلى حدث تأسيسي جامع. وهو ما يتطابق مع غياب هذا التقويم في النقوش، وفي الكتابات اللاتينية والبونية.
وفي العصر الإسلامي، لم يشر أي مؤرخ إلى وجود تقويم أمازيغي عددي. بل على العكس، يظهر من خلال ما كتبه ابن خلدون أن الأمازيغ اندمجوا تدريجيا في التاريخ الإسلامي، واعتمدوا التقويم الهجري في التنظيم السياسي والإداري، دون أن يعني ذلك التخلي عن عاداتهم المحلية المرتبطة بالأرض.
وقد ذهب عدد من الباحثين المعاصرين إلى تصنيف التقويم الأمازيغي الحديث ضمن ما يسميه إريك هوبزباوم "التقاليد المُخترعة"، أي تلك التي تنشأ حديثا لكنها تقدم بوصفها امتدادا للماضي. ولا يحمل هذا المفهوم حكما أخلاقيا، بل توصيفا علميا يميز بين الاستمرارية التاريخية والبناء الرمزي. ويحذر بول ريكور من أن تحويل الرمز إلى حقيقة تاريخية مغلقة ينتج توترا بين الذاكرة والتاريخ، ويضعف القدرة على النقد. فالتاريخ، بخلاف الذاكرة، يقوم على قابلية المراجعة والتصحيح.
وتأسيسا على ما سبق، فإن التقويم الأمازيغي بصيغته الرقمية الحالية هو بناء ثقافي حديث، ظهر في سياق البحث عن رموز هوياتية جامعة خلال النصف الثاني من القرن العشرين. ويدرج هذا التوجه ضمن ما يسميه بيير نورا "أماكن الذاكرة"، أي خلق رموز زمنية لتعويض غياب الاستمرارية التاريخية الموثقة.
ولا يعني هذا الحكم نزع الشرعية الثقافية عن المبادرة، لكنه يفرض التمييز بين التاريخ بوصفه علما، والذاكرة بوصفها بناء رمزيا. ولنكرر من جديد ما قاله بول ريكور في كتابه: الذاكرة، التاريخ، النسيان، على أن الخلط بين المستويين يؤدي إلى توترات معرفية، ويحول الرمز إلى حقيقة تاريخية غير قابلة للنقاش.
إن القراءة التاريخية النقدية لهذا الموضوع تطهر أن ما يعرف اليوم بالسنة الأمازيغية ينهض على مستويين متمايزين: مستوى قديم يتمثل في السنة الفلاحية المرتبطة بدورة الطبيعة، وهو مستوى موثق في الممارسة الاجتماعية ومشترك بين مختلف مكونات المجتمع المغربي؛ ومستوى حديث يتمثل في تقويم عددي رمزي، تشكّل في سياق ثقافي معاصر، ويعكس حاجات رمزية أكثر مما يعكس استمرارية تاريخية.
ولذلك فإن إدراك هذا التمييز يسمح بفهم الظاهرة بعيدًا عن التبسيط أو الإسقاط. فاحترام التراث لا يعني تحويله إلى أسطورة، كما أن الدفاع عن التاريخ لا يعني نفي الذاكرة. وحدها المقاربة النقدية، التي دعا إليها كبار المؤرخين، تُمكّن من إدراج الرموز الثقافية في مكانها الصحيح داخل الوعي التاريخي، وصيانة المشترك دون إنكار التعدد، وفهم الماضي دون توظيفه خارج سياقه.
13 janvier 2026 - 10:00
07 janvier 2026 - 16:00
05 janvier 2026 - 12:00
02 janvier 2026 - 10:00
29 décembre 2025 - 12:15
05 janvier 2026 - 14:00