فن و ثقافة
لمغيبشي يَضْحَد سردية "قرآن بورغواطة": غياب النص يسقِط اليقين
عبد القادر الفطواكي
عاد الجدل حول ما يُعرف بـ“قرآن بورغواطة” الأمازيغي إلى الواجهة خلال الأسابيع الأخيرة، بعد الخروج الإعلامي والأكاديمي لعدد من الباحثين في مجال التاريخ وما تلاها من ردود متباينة وصلت حدّ الاتهامات الخطيرة والتخوين، قبل أن يتدخل الدكتور عمر لمغيبشي بطرح مختلف، حاول من خلاله إعادة النقاش إلى أساسه العلمي بعيدًا عن التوظيفات السياسية والانفعالات الهوياتية التي التصقت بهذا الملف. فالجدل لم يعد مجرد نقاش أكاديمي حول تجربة تاريخية في الغرب الإسلامي، بل تحوّل إلى مساحة تستعاد فيها صراعات الحاضر ويُعاد فيها تشكيل الماضي وفق احتياجات اللحظة الراهنة.
وفي الوقت الذي انطلقت فيه بعض القراءات من التسليم بوجود “قرآن بورغواطة” كمعطى ثابت، استنادًا إلى إشارات متفرقة وردت في كتابات البكري وابن خلدون وابن عذاري، يذكّر الدكتور عمر لمغيبشي - أستاذ التاريخ والحضارة بكلية الآداب بنمسيك ـ جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء- بأن كل ما نملكه تاريخيًا ليس سوى روايات خارجية دوّنها مؤرخون من خارج التجربة البورغواطية، ولم يطّلع أي منهم على النص المزعوم، ولم يقدموا ولو مقطعًا واحدًا منه. إنهم يصفون شيئًا لم يروه، ويتحدثون عن كتاب لم يقرأوه، ويقدمون عنه صورة صاغتها ظروف زمنية مشحونة بالتوترات الدينية والسياسية. لذلك يقول لمغيبشي إن ما يسمى “قرآن بورغواطة” لا يمكن، من منظور علم التاريخ، التعامل معه كنصّ موجود بل كموضوع سردي، لأن غياب الوثيقة يجعل الحديث عنه أقرب إلى الأسطورة التي تناقلها الرواة، لا الحقيقة التي يمكن إثباتها.
وتأتي أهمية هذا التذكير العلمي من كون النقاش المعاصر تجاوز حقول التاريخ نحو مساحات أخرى، حيث يتم توظيف “قرآن بورغواطة” في بناء سرديات جديدة تتعلق باللغة والهوية والعلاقة بين الإسلام والشعوب التي دخلت فيه. ويشير لمغيبشي إلى أن هذا التوظيف يقوم في الغالب على خلط منهجي، إذ يُستدعى النص المفقود كدليل على أن لكل مجموعة بشرية الحق في نص ديني خاص بها بلغتها، رغم أن المعطيات المتوفرة لا تثبت أصلًا وجود هذا النص ولا طبيعة استعماله داخل المجتمع البرغواطي. والأسوأ أن هذا الخطاب، كما يوضح لمغيبشي، ينتقي من المصادر ما يلائم سرديته ويتجاهل ما لا يخدمها، فيقع في مفارقة واضحة: فهو يطالب بوجود الوثيقة الأصلية لإثبات صحة السرد الإسلامي العام، لكنه يقبل دون اعتراض روايات شفهية حول نص يزعم أنه “قرآن” بديل، رغم أنه لم يُعثر عليه قط.
ويرى لمغيبشي أن هذا النوع من الانتقائية يعيد إنتاج ما يسميه علماء التاريخ بـ“إعادة اختراع الماضي”، حيث يُملأ الفراغ الوثائقي بخيالات الحاضر، وتُضفى على الروايات القديمة حمولة جديدة تبتعد كثيرًا عن سياقها الأصلي. فالرواية التقليدية عن بورغواطة نفسها تتضمن عناصر سياسية وإيديولوجية قوية، لأنها جاءت من خارج التجربة ومن خصومها الذين لم يخفوا صراعهم معها. ولذلك يعتبر لمغيبشي أن إعادة تكرار هذه الروايات دون إخضاعها للنقد التاريخي يُعدّ خطأ منهجيًا، تمامًا كما أن تحويلها إلى يقين يخدم أجندات معاصرة ليس سوى خروج عن روح البحث الأكاديمي.
ويشير إلى أن التجربة البورغواطية، مهما كانت طبيعتها الدينية والسياسية، تبقى جزءًا من تاريخ الغرب الإسلامي، لكنها تحتاج اليوم إلى قراءة هادئة تعتمد مناهج التاريخ النقدي، لا التأويلات المتعجلة أو الإسقاطات الهوياتية. فالتاريخ، كما يقول، لا يكتب بالرغبات ولا يصاغ من أجل الرد على الخصوم، بل يبنى على الدليل وعلى المقارنة بين المصادر وعلى فهم السياقات. وما دامت الوثيقة الأصلية غائبة، فإن “قرآن بورغواطة” يبقى موضوعًا قابلاً للنقاش لا حقيقة مكتملة، ويجب التعامل معه بحذر علمي حتى لا يتحول إلى أداة في الصراع الرمزي بين مكونات المجتمع.
وفي الوقت الذي تحاول فيه بعض الأصوات تثبيت وجود نص ديني مكتمل داخل الجماعة البورغواطية، يذكّر لمغيبشي بأن غياب النص يعني غياب القدرة على الحكم، وأن من واجب الباحث أن يميز بين ما هو ثابت وما هو متخيل. فالفارق كبير بين وجود روايات تشير إلى نص ما، وبين امتلاك هذا النص بالفعل. والتاريخ مليء بأمثلة الكتب المفقودة التي نسبت إلى جماعات أو أشخاص، لكن غياب الوثيقة يحولها إلى أخبار غير قابلة للتحقق، ولا يمكن البناء عليها في صياغة خلاصات قطعية. ومن هنا فإن محاولة تحويل “قرآن بورغواطة” إلى ركيزة لمشروع هوياتي معاصر هي في جوهرها عملية إسقاط لا علاقة لها بالبحث العلمي، بل تعكس رغبة في إعادة هندسة الماضي بما يخدم النقاشات الحالية.
وبينما تستمر فئات معينة في توظيف الموضوع لأغراض سياسية أو ثقافية، يؤكد لمغيبشي أن دور الباحث هو تحرير النقاش من الضجيج وإعادته إلى أرضيته الأصلية: أرضية النقد العلمي. فهو لا ينفي وجود رواية عن نص بورغواطي، لكنه يرفض تحويلها إلى حقيقة مطلقة، ويرفض كذلك استخدامها في صناعة ذاكرة جماعية جديدة تستند إلى ما لا يمكن إثباته. إنه يدعو إلى التفكير الهادئ، إلى احترام المنهج، إلى التعامل مع التاريخ كعلم لا كساحة لتصفية الحسابات أو بناء أوهام الهوية.
ولذلك فإن القيمة الحقيقية لرأي الدكتور لمغيبشي تكمن في دفاعه عن العقل والمنهج في زمن يتسع فيه المجال للتجييش وللتأويلات غير المنضبطة. فهو يقدّم درسًا مهمًا في كيفية التعامل مع موضوع شديد الحساسية، مذكّرًا بأن الباحث يجب أن يكون أمينًا للوثيقة قبل أي شيء، وأن يقف على مسافة واحدة من كل التأويلات الجاهزة، وأن يرفض الانجرار وراء السرديات التي تُستدعى لتبرير مواقف مسبقة. وهكذا يصبح موقفه ليس دفاعًا عن سردية ضد أخرى، بل دفاعًا عن الحقيقة ضد الأسطورة، وعن التاريخ ضد إعادة صناعته وفق رغبات معاصرة، وعن المعرفة التي لا تخضع للمشاعر ولا للولاءات، بل للمنهج والبرهان.